اعتدتُ في كل عام أن أتابع مقياس شنغهاي الصيني لأفضل الجامعات في العالم، مع العلم أن عدد الجامعات التي تم قياس نتائجها هي ألف جامعة في العالم.
كانت المراتب لمقياس عام 2016 هي: المرتبة الأولى والثانية والثالثة للجامعات الأميركية، هارفارد، وستانفورد، ومعهد ماساشوستس، ثم تأتي جامعة كامبردج البريطانية في المرتبة الرابعة، أما المرتبة الخامسة والسادسة فهي أيضاً لجامعتين أميركيتين، كاليفورنيا، وبرنستون، أما المرتبة السابعة فهي لجامعة أكسفورد البريطانية، والثامنة والتاسعة والعاشرة للجامعات الأميركية أيضاً، كولومبيا، ومعهد كاليفورنيا، وجامعة شيكاغو.
أما الجامعات الإسرائيلية فقد حظيت الجامعة العبرية في القدس بالمرتبة 89، أما التخنيون غنالت الترتيب 101، أما جامعة تل أبيب فقد نالت المرتبة 151، مع العلم أن مقياس شنغهاي يُحرض مسؤولي التعليم في إسرائيل كل عام على مقارنة مستوى جامعاتهم بالمستوى السابق، ونتيجة المقارنة تحرضهم لإصلاح الخلل في تدني مستويات الجامعات الإسرائيلية، فهم في الغالب يشكلون لجان المتابعة وتقصي الحقائق، وإصلاح العيوب.
أما الجامعات العربية فقد حظيت جامعة الملك سعود في المملكة العربية السعودية على ترتيب 151 مكرر، وكذلك جامعة القاهرة حصلت على المرتبة 401.
يعتمد مقياس شنغهاي مائة درجة تُمنح لكل جامعة، هذه المئة مقسومة على البنود التالية: عشرون درجة للأساتذة الحاصلين على جائزة نوبل، وعشر درجات للخريجين النابغين من الجامعة، وعشرون درجة للأبحاث الموثقة، وعشرون درجة للأبحاث المنشورة في المجلات المحكمة، وعشرون درجة للأبحاث المفهرسة في المؤتمرات العلمية، وعشر درجات للكفاءات الفردية في التكنولوجيا.
لقد فهمت إسرائيل أن تقدم المجتمعات في العالم يعتمد على أنظمة التربية والتعليم فهي ركيزة التطور والنهضة، كما أن الدول في ألفيتنا الثالثة لم تعد تُقاس بعدد سكانها ومساحتها الجغرافية، ولا بحجم ثرواتها الطبيعية، بل تُقاس بتطورها وتقدمها في مناهج وطرق التعليم، لذلك فإن تدمير العمارات السكنية والمؤسسات في غزة في كارثة السابع من أكتوبر لم يكن هو الهدف الرئيس فقط، بل كان الهدف الأبرز هو تدمير التعليم، وذلك بتدمير أبنية الجامعات والمعاهد والمدارس، وإرغام السكان على السكن فيما تبقى من المؤسسات التعليمية.
ظللتُ أقتبس ما قرأته من كتاب صديقي البروفسور، سمير عبد الحميد نوح، المتوفى عام 2019، وكان أستاذاً زائراً في جامعة، دوشيشا اليابانية اسم الكتاب: «اليابان بين طيات الكيمونو وأقنعة النينجا» صدر الكتاب عام 2016.
كتب البروفسور وقائع زيارته لمدرسة ابتدائية يابانية أورد حواراً بينه وبين، أساهارا المعلمة اليابانية للصف الثاني الابتدائي التي قالت: «إن واجب المدرسة هو الإشراف على تشكيل شخصية الطفل، وإشعاره ببهجة الحياة، لذا نسعى لتقليل الكم المنهجي إلى أقصى حد، مع توجيه التلاميذ إلى احترام القيم وحب العلم، المدرسة عندنا هي بيت التلميذ الحقيقي، الهدف من التعليم ليس التلقين، بل اكتساب المعرفة».
قال الكاتب: «شاهدتُ طلاب الصف الرابع الابتدائي ينتظمون في مجموعات صغيرة، تنشغل مجموعةٌ بالحياكة والنسيج، ومجموعة أخرى بأعمال النجارة، وأخرى بالزخرفة، ومجموعة رابعة تتولى تركيب إنسان آلي، وخامسة تُركِّب هيكل سيارة، أما طلاب الصف الثاني يتحلّق بعضهم حول حوض السمك، وآخرون ينظفون أقفاص الطيور، ومجموعة أخرى تُطعم الأرانب، ومجموعة رابعة تسقي النباتات والأزهار، سألت عن طابورٍ من التلاميذ يتجهون نحو بوابة المدرسة، أجابتني المعلمة: إنهم يستعدون لجولة مدرسية لزيارة مصانع الحلوى، وفي تمام الساعة الثانية عشرة يتناولون طعام الغداء، بإشراف خبير في التغذية، يتناول مشرفو المدرسة الطعام نفسه قبل أن يتناوله طلاب المدرسة». (انتهى الاقتباس)
حرضني كتاب البروفسور أن أقرأ كثيراً عن نظام التعليم في اليابان، لأنه المسؤول الأول عن نهضتها التكنولوجية في كل المجالات، فقد حوّل اليابانيون بلادهم من عصر فرسان الساموراي أي فرسان المعارك الحربية، إلى عصر فرسان تكنولوجيا الصناعة والحضارة عصر التعليم المطور، القادر على مواكبة ومنافسة العالم في مجالات الرفعة والتقدم.
مما وجدته في بعض الكتب الحقائق التالية: «ليس هناك طالبٌ راسب في الامتحان من الصف الأول إلى الصف الثاني عشر، لأن المدرسة لا تعاقب الطالب على تقصيره في حفظ البرامج المفروضة عليه. كذلك فإن مادة الأخلاق والعادات اليابانية مادة رئيسة مقررة من الصف الأول الابتدائي، لأن مادة الأخلاق هي البنية التحتية للمجتمع الياباني، ودونها لا يمكن إقامة طبقات النهضة والتطور فوق مبني بلا أخلاق.
أما النظافة فتأتي بعد الأخلاق في أهميتها، فهي تبدأ من البيت والمدرسة، لأن الطلاب أنفسهم ينظفون مدارسهم، وهم أيضاً لا يحتاجون إلى خدمٍ يخدمونهم أو يوظفونهم لتنظيف بيوتهم، أما عمال النظافة في الشوارع فهم محترمون ذوو مرتب مالي عالٍ يعادل مرتبات الوزراء.
كذلك الحال في بند احترام الوقت، فحافلاتهم ومواصلاتهم تطبق هذا المبدأ تطبيقاً صارماً، لأنه أحد أركان مبادئ الأخلاق الرفيعة.
هم ينفقون على الطعام بقدر ما تحتاجه أجسامهم، ولا يتركون وراءهم بقايا مخلفات طعامهم.
أدركت الدولُ القوية فن السيطرة على الدول الضعيفة، لكي تطوِّع شعباً بلا سلاح فلستَ محتاجاً لكتائب عسكرية وطائرات ودبابات، يكفي فقط أن تقضي على البنية الأساسية للمجتمعات، وذلك يتم بإفشال نظامهم التعليمي، عندئذٍ تستطيع تطويعهم واحتلالهم بلا سلاح أو جيش.
علينا أن نعود إلى تاريخ فلسطين لنعرف أن سر قوة الفلسطيني المتفوق كان يعود إلى نظام التعليم الفلسطيني، فقد كان التعليم الفلسطيني سر حفاظنا على قضيتنا، وسر إبداع الفلسطينيين في كل المجالات.
كان المستعمرون يرون أن الفلسطينيين يشكلون خطراً عليهم بما يملكون من ثقافة وإبداع، فقد يُحقِّق الفلسطينيون نهضة عربية منافسة، لذا كان يجب إفشال نظام تعليمهم.
سأظل أتذكر أن مدير مدرستنا الإعدادية لم يكن يحمل سوى شهادة الماتركيوليشن (Matriculation)، أي شهادة الثانوية العامة المعتمدة من البريطانيين، وكان بارعاً في اللغة العربية والإنجليزية وفي العلوم والرياضيات، كان يتحين فرصة غياب أحد المدرسين ليعلمنا كل المقررات بلا استعداد أو تحضير وتجهيز.
سأظل أتذكر أبرز معلمي أجيالنا التربويين، فهم قد أصبحوا قادة سياسيين ومفكرين بسبب التعليم، مثل خليل السكاكيني، وإسعاف النشاشيبي، وأحمد سامح الخالدي، وخليل بيدس، وجبرا إبراهيم جبرا، ومعين بسيسو، وخليل الوزير، وفتحي بلعاوي وآخرون يصعب إحصاؤهم.
كانت في مدينة يافا الفلسطينية قبل تأسيس إسرائيل بسنتين، أي عام 1946م، سبعة وأربعون مدرسة حكومية، وأربعة وعشرون مدرسة خاصة، وإحدى عشرة مدرسة للغات الأجنبية.
إليكم نموذجاً من مناهج تعليمنا في مصر وفلسطين كان مقتبساً من كتابٍ مقرر حكومياً باسم (الجديد في القراءة العربية للصف الثاني الابتدائي من الطبعة المصرية الحادية عشرة عام 1961) لم يكن هذا الكتاب لتعليم القراءة الصحيحة لُغوياً فقط، بل كان يهدف لتعليم الفكر والأخلاق والتحليل، ولم يكن هذا الكتاب مقرراً على المرحلة الإعدادية أو الثانوية، بل كان مقرراً على الصف الثاني الابتدائي، أعدّهُ التربوي الفلسطيني المبدع خليل السكاكيني كمقرر على فلسطين وعلى مصر أيضاً عام 1961، جاء في صفحات الكتاب: «خرجَ صبيٌ يتنزَّهُ مع أبيه بين الزروعِ في أيام الحصاد، فرأى سنابلَ القمحِ منخفضةَ الرأسِ لا تتحركُ، ولكنه رأى بينها سُنبلةً واحدةً رافعةً رأسَها، فسأل أباه: لماذا هذه السنبلةُ من بين رفيقاتها رافعةٌ رأسَها؟ فقال له أبوه: إن هذه السنابلَ مملوءةٌ حَبّاً فتنحني، وأما هذه فرأسُها فارغٌ، ولذلك تراه مرتفعاً».
لم يكتفِ خليل السكاكيني باختيار هذا النص، بل قام بإرشاد المعلمين كيفية تدريس القصة السابقة، فكتب أسئلة منها: أي الناس يشبهُ السنبلةَ الملآنة؟ وأيهم يشبه السنبلة الفارغة؟ وعلى المعلم أن يطلب منهم تمثيل منخفض الرأس ومرتفع الرأس.
انظروا كم هي سامية تلك القصة المقررة، ليس على الصف الثاني الثانوي، بل على الثاني الابتدائي، أحسست وأنا أستعيد تصفح هذه النسخة النادرة من كتاب الصف الثاني الابتدائي بأنني أستعيدُ مجدنا التربوي والثقافي الفلسطيني والمصري، فالمنهج يجيبُ عن أسئلة كثيرة منها: لماذا كان خريجو مدارسنا مناراتٍ ثقافيةً ورواداً للثقافة في كل أقطار العالم العربي؟ ولماذا كانتْ خطوطُ جيلنا جميلةً؟ ولماذا لم تكن شهاداتنا مجردَ بطاقاتٍ للحصول على وظائف حكومية؟
عندما نقارن بين هذا الكتاب، وبين نظيره الكتاب الوزاري المقرر حالياً على الصف الثاني الابتدائي في فلسطين، تكون النتيجة تنهيدة طويلة.

المصدر : وكالة سوا

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد