غزة تحت الشمس.. المرضى يواجهون قسوة الصيف داخل الخيام

غزة تحت الشمس.. المرضى يواجهون قسوة الصيف داخل الخيام

في خيمة صغيرة مصنوعة من النايلون والقماش في منطقة الرمال غرب مدينة غزة ، تحاول هدبة الكفارنة، 47 عامًا، أن تجد طريقة للتعايش مع يوم آخر من أيام الصيف القاسية. لا تستطيع البقاء طويلًا داخل الخيمة حين تشتد الحرارة، فتخرج إلى الشارع بحثًا عن نسمة هواء، قبل أن تعود إليها عندما تخف وطأة الشمس.

لكن الخروج من الخيمة لا يعني بالنسبة إليها الهروب من الألم. فالكفارنة مصابة بسرطان الثدي الذي انتشر إلى عظامها، وأصبحت الحركة بالنسبة إليها أكثر صعوبة، فيما لا يتوفر لها العلاج الكيميائي منذ نحو أربعة أشهر، بحسب روايتها.

تعيش الكفارنة، مثل آلاف النازحين في قطاع غزة، في خيمة لا توفر حماية كافية من تقلبات الطقس. لكن ما قد يمثل مشقة بالنسبة إلى شخص سليم يتحول بالنسبة إلى مريض أو جريح إلى عبء صحي إضافي، فالحرارة المرتفعة، والرطوبة، ونقص المياه، وضعف التهوية، وصعوبة الحفاظ على النظافة، كلها ظروف ترافق المرضى أثناء محاولتهم الحصول على العلاج أو العناية بجروحهم.

ومنذ بداية النزوح، أصبحت الخيام ملاذًا اضطراريًا لعائلات فقدت منازلها، لكنها بالنسبة إلى كثير من المرضى لا توفر البيئة التي يحتاجها الجسم المنهك لمواجهة المرض أو التعافي من الإصابة.

مع ارتفاع درجات الحرارة، تتحول الخيام المصنوعة من القماش والنايلون إلى مساحات شديدة الحرارة، فيما لا تملك كثير من العائلات وسائل تبريد أو تهوية تساعدها على تخفيف وطأة الحر. ويجد المرضى والجرحى أنفسهم أمام معاناة مركبة، تجمع بين آثار المرض أو الإصابة من جهة، وظروف النزوح القاسية من جهة أخرى.

"الحرارة تحرق جسدي"

كانت الكفارنة، وهي من سكان بيت حانون شمال قطاع غزة، تعيش في منزلها قبل الحرب، لكن المنزل دُمّر وبقي خلف "الخط الأصفر"، لتجد نفسها اليوم نازحة داخل خيمة في "مخيم الجندي المجهول" بمنطقة الرمال.

تقول: "لقد اكتشفت إصابتي بسرطان الثدي قبل نحو عام، خلال فترة النزوح والمجاعة، قبل أن ينتشر المرض إلى العظام"، مضيفةً أن المرض أنهك جسدها، وأن وصوله إلى العظام جعلها غير قادرة على المشي بصورة طبيعية. وباتت آلام المرض تضاف إلى مشقة النزوح والحرارة المرتفعة والظروف المعيشية الصعبة.

لكن رحلة العلاج نفسها أصبحت مصدرًا آخر للقلق.

 

وتقول الكفارنة إن العلاج الكيميائي غير متوفر لها منذ نحو أربعة أشهر، وإنها تواجه صعوبة في الحصول على الأدوية اللازمة، الأمر الذي زاد من معاناتها الصحية وأثقل كاهل جسدها الذي أنهكه المرض.

وفي الوقت الذي تحتاج فيه إلى بيئة أكثر راحة ونظافة وتهوية، تجد نفسها داخل خيمة من النايلون لا توفر لها ما يكفي من الحماية من الحرارة.

وتتابع الكفارنة حديثها: "الخيمة لا تقي حرارة الصيف ولا برد الشتاء، واضطر عندما ترتفع الحرارة داخلها إلى الخروج والجلوس في الشارع بحثًا عن الهواء".

ولا تملك الكفارنة مروحة تساعدها على تخفيف الحرارة، في ظل ارتفاع أسعار الكهرباء وصعوبة ظروفها الاقتصادية، ما يجعل توفير وسيلة بسيطة للتهوية أمرًا يتجاوز قدرتها.

وتصف حالتها بالقول إن جسدها يصبح "شديد الحرارة"، وإن حرارة جسدها، بحسب تقديرها، تتجاوز 40 درجة، في ظل توقف العلاج الكيميائي وعيشها تحت شادر من النايلون.

وتقول إن البقاء داخل الخيمة أصبح "شبه مستحيل" بسبب غياب وسائل التهوية.

بالنسبة إلى امرأة تكافح مرضًا أنهك جسدها، لا تبدو الحرارة مجرد مصدر للإزعاج. إنها جزء من يومها، تضاف إلى الألم وصعوبة الحركة ونقص العلاج والنزوح.

مصاب بالربو يتعايش مع مرضه

على بعد أمتار من خيمة الكفارنة، يعيش فرح عسلية، 65 عامًا، من بلدة جباليا شمال قطاع غزة، داخل خيمة في منطقة الرمال، بعدما تعرض منزله للقصف.

يعاني عسلية من الربو أو ما يعرف بالأزمة الصدرية منذ سنوات، ويقول: "إن النوبات الحادة التي أتعرض لها تجعلني بحاجة إلى الأكسجين الطبي للمساعدة على التنفس".

لكن المرض الذي اعتاد التعامل معه خلال سنوات حياته أصبح أكثر صعوبة في ظل النزوح وظروف السكن الحالية.

خلال رحلة النزوح، يقول عسلية إنه تعرض للغاز من قبل الجيش الإسرائيلي، ما تسبب له في حالة اختناق استدعت نقله إلى المستشفى، حيث أمضى نحو 20 يومًا داخل مستشفى الشفاء الطبي في غزة.

وبعد خروجه من المستشفى، عاد إلى الخيمة، لكن العودة لم تكن بالنسبة إليه عودة إلى حياة طبيعية، ويقول: "الخيمة التي يفترض أن توفر لي مأوى، أصبحت مع ارتفاع درجات الحرارة مكانًا يصعب عليّ البقاء داخله".

وبالنسبة إلى مريض يعاني من الربو، يصبح الهواء داخل مساحة صغيرة مغلقة ومرتفعة الحرارة مصدر قلق إضافي، خصوصًا في ظل غياب وسائل التهوية.

ولا تتوقف مشكلة عسلية عند ارتفاع الحرارة، فهو يعيش أيضًا في بيئة نزوح تفتقر إلى كثير من الخدمات الأساسية، في وقت يحتاج فيه مريض الربو إلى ظروف تساعده على التنفس وتجنب ما قد يؤدي إلى تفاقم حالته.

وهكذا، يجد نفسه أمام معضلة صعبة: الخيمة هي المكان الذي يفترض أن يحتمي فيه، لكنه يضطر إلى مغادرتها ليلًا كي يتمكن من التنفس والنوم.

الحرارة جزء من المعاناة اليومية

أما محمد عبد الدايم، 51 عامًا، من سكان بيت حانون، فيعيش تجربة مختلفة، لكن الحرارة والنزوح يشكلان جزءًا من معاناته اليومية.

ترك عبد الدايم منزله الذي بقي خلف "الخط الأصفر"، ويعيش الآن داخل خيمة في منطقة الرمال غرب مدينة غزة.

وكان يعبئ المياه في منطقة السامر شرقي مدينة غزة عندما تعرض لقصف مدفعي إسرائيلي، بحسب روايته، ما أدى إلى بتر أصابع من يديه وقدميه.

لكن الإصابة لم تتوقف عند لحظة القصف.

بعد فقدان أجزاء من أطرافه، أصبح عبد الدايم بحاجة إلى رعاية مستمرة لجروحه، وهي مهمة تزداد صعوبة داخل خيمة تفتقر إلى الظروف المناسبة للعناية الصحية.

ويقول: "لا استطيع الجلوس داخل الخيمة لفترات طويلة بسبب احتفاظها بالحرارة، فيما لم أعد قادرًا على توفير وسائل للتهوية بسبب ظروفي الاقتصادية الصعبة".

فقد عبد الدايم مصدر رزقه نتيجة الإصابة والبتر، فأصبحت الأزمة الصحية مرتبطة مباشرة بأزمة اقتصادية زادت من صعوبة حياته اليومية.

وفي ظل الحرارة والرطوبة ونقص المياه، يقول: "إن الالتهابات بين أصابع يديّ وقدميّ تفاقمت، ما جعل العناية بالجروح أكثر تعقيدًا".

وهكذا، لا تنتهي الإصابة عند فقدان جزء من الأطراف؛ فتبعاتها تمتد إلى القدرة على العمل، والحركة، والعناية بالجروح، وتوفير الاحتياجات الأساسية، وحتى القدرة على تحمل حرارة الخيمة.

بيئة لا تساعد على التعافي

ما يعيشه المرضى والجرحى داخل الخيام لا ينفصل عن البيئة المحيطة بهم، وفق ما يقوله الطبيب غسان مطر، الذي يعمل في عيادة الدرج التابعة لوزارة الصحة الفلسطينية.

ويضيف مطر: "إن الحرارة تؤثر بصورة كبيرة على حياة المرضى، خصوصًا في ظل بيئة محيطة يصفها بأنها ملوثة".

ويشير إلى أن بعض الجروح لا تلتئم بالسرعة الكافية رغم العلاج، نتيجة الرطوبة المرتفعة والعيش في خيام شديدة الحرارة، إضافة إلى البيئة المحيطة التي يمكن أن تكون مليئة بمسببات الأمراض المعدية.

وتصبح المشكلة أكثر تعقيدًا عندما يعيش شخص مصاب أو صاحب جرح مفتوح في مكان يعاني من ضعف خدمات الصرف الصحي والنظافة الشخصية.

ويقول مطر إن الصرف الصحي والنظافة الشخصية يفتقران إلى الحد الأدنى من الظروف المطلوبة، وإن بعض الحالات تتدهور أو تتضاعف فيها الالتهابات نتيجة البيئة المحيطة.

ويضيف أن وجود مياه الصرف الصحي حول الخيام يساهم في تلوث البيئة المحيطة، الأمر الذي قد يزيد من صعوبة رعاية المرضى، خصوصًا أولئك الذين يعانون من جروح لم تلتئم بصورة جيدة.

وبحسب مطر، قد يلتئم جرح لدى بعض الأشخاص خلال عشرة أو عشرين يومًا، بينما قد يستمر جرح آخر لأشهر، تبعًا للحالة والظروف المحيطة والرعاية المتاحة.

وهذه الفوارق في مدة التئام الجروح، كما يوضح الطبيب، تجعل البيئة المحيطة عنصرًا مهمًا في عملية التعافي، خصوصًا بالنسبة إلى المصابين الذين يحتاجون إلى رعاية مستمرة.

ولا تقتصر آثار الظروف البيئية على الجروح والإصابات.

يقول مطر إن معظم المصابين الذين يراجعون العيادات يعانون من أمراض جلدية، ولا سيما الأطفال، ويربط ذلك بوجود بيئة غير نظيفة.

ويشير إلى أن فصل الصيف يشهد ارتفاعًا في الحالات الجلدية التي تصل إلى العيادات والمراكز الصحية في قطاع غزة، ويقدّر أن أمراض الجلد يمكن أن تمثل نحو 50% من الحالات اليومية في بعض هذه المرافق خلال الصيف.

وتضيف الحرارة والرطوبة ظروفًا أخرى إلى حياة الأطفال الذين يعيشون في الخيام، حيث يصعب الحفاظ على النظافة الشخصية في ظل نقص المياه وظروف النزوح.

وبالنسبة إلى الأسر التي تعيش في أماكن مكتظة، لا تقتصر صعوبة الصيف على تحمل الحرارة، بل تمتد إلى محاولة الحفاظ على الحد الأدنى من النظافة والعناية الشخصية في ظروف استثنائية.

مرضى السرطان يحتاجون إلى بيئة مختلفة

بالنسبة إلى مرضى السرطان، يرى مطر أن ظروف الخيام تمثل تحديا إضافيا.

ويقول إن "مريض السرطان، وبسبب ضعف المناعة، يحتاج إلى بيئة نظيفة وذات تهوية جيدة، بينما قد يؤدي العيش في خيمة حارة ورطبة وغير نظيفة إلى زيادة احتمالات الإصابة بالالتهابات وتدهور الحالة الصحية".

وهذا ما يجعل حالة الكفارنة أكثر تعقيدًا؛ فهي لا تواجه الحرارة وحدها، بل تعيش أيضًا مع مرض سرطاني انتشر إلى العظام، وصعوبة في الحركة، وانقطاع العلاج الكيميائي عنها منذ نحو أربعة أشهر، بحسب روايتها.

في الخيمة، تتداخل هذه العوامل كلها في يوم واحد: المرض، والألم، والحرارة، ونقص التهوية، وصعوبة الحصول على العلاج.

ولا تستطيع الكفارنة سوى الخروج من الخيمة حين تصبح الحرارة غير محتملة، والبحث عن مكان آخر يمكنها فيه التقاط أنفاسها.

أما بالنسبة إلى مرضى الربو، فيرى مطر أن البيئة المحيطة بالخيام يمكن أن تزيد من صعوبة حالتهم.

ويقول إن روائح الصرف الصحي وتدفق مياه المجاري يمكن أن تؤدي إلى تفاقم ضيق التنفس والنهجة لدى مرضى الربو، مشيرًا إلى أن بعض الحالات تصل إلى العيادات والمراكز الصحية بسبب هذه الظروف.

وهذه المشكلة تعيد عسلية إلى المشهد من جديد.

فالرجل الذي يعاني من الربو ويحتاج خلال النوبات الحادة إلى الأكسجين، لا يجد في خيمته مكانًا مريحًا للنوم، ويضطر إلى البقاء عند مدخلها بحثًا عن الهواء.

وهكذا، تتحول البيئة التي يعيش فيها المريض من مجرد مكان للسكن إلى عامل يؤثر في قدرته على النوم والتنفس والتعامل مع مرضه.

منظومة صحية تحت ضغط الاحتياجات

في الوقت نفسه، تتوافد أعداد كبيرة من المرضى إلى العيادات والمراكز الصحية في قطاع غزة، في وقت تواجه فيه المنظومة الصحية احتياجات تفوق قدرتها على الاستيعاب وتوفير العلاج والرعاية لجميع المرضى.

ورغم ذلك، تواصل المرافق الصحية، بالشراكة مع مؤسسات المجتمع المدني، محاولة توفير ما يلزم للمرضى داخل القطاع.

لكن الحاجة لا تتوقف عند الأدوية وحدها.

فالمرضى الذين يعيشون في الخيام يحتاجون أيضًا إلى بيئة تساعدهم على التعافي: مكان نظيف، وتهوية مناسبة، ومياه، وصرف صحي، ووسائل للعناية بالجروح، وإمكانية الوصول إلى العلاج بصورة منتظمة.

وعندما تغيب هذه العناصر، تصبح مهمة التعامل مع المرض أكثر صعوبة، حتى بالنسبة إلى الحالات التي تتلقى علاجًا طبيًا.

بالنسبة إلى آلاف النازحين في قطاع غزة، لا يمثل الصيف مجرد ارتفاع في درجات الحرارة، إنه فصل جديد من المشقة داخل خيام لا تقيهم حر الشمس، ولا توفر لهم في كثير من الأحيان تهوية مناسبة أو حماية كافية من تقلبات الطقس.

أما المرضى والجرحى، فيواجهون طبقة إضافية من المعاناة، فمع استمرار ارتفاع درجات الحرارة يصبحون أمام اختبار يومي جديد: كيف يمكن لجسد أنهكه المرض أو الإصابة أن يتعافى في مكان لا يوفر له حتى الهواء والماء والظروف الأساسية التي يحتاج إليها؟

ملاحظة : تم اعداد هذا التقرير ، ضمن مشروع ( تمكين الإعلام المهني والحوار المجتمعي في غزة ) الذي تنفذه مؤسسة بيت الصحافة ، والممول من الاتحاد الأوروبي، وبتنفيذ من قبل Expertise France وCFI. إذ تعبّر الآراء الواردة عن وجهة نظر الكاتب وحده، ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر الاتحاد الأوروبي أو Expertise France أو CFI

المصدر : وكالة سوا - حنين أحمد

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد