مرضى السرطان في غزة.. علاج مفقود وسفر ممنوع وموت مؤجل
أصبح الفتى جواد أبو شارب، البالغ من العمر 15 عاما، الابن الوحيد المتبقي لوالدته رغدة، بعدما فجعت خلال الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة باستشهاد زوجها واثنين من أبنائها. ولم تكد الأسرة تلتقط أنفاسها تحت وطأة الفقد، حتى أصيب جواد بسرطان الدم بصورة مفاجئة، لتبدأ والدته رحلة جديدة من الألم، متعلقة بخيط رفيع من الأمل في أن يتمكن نجلها من السفر لتلقي العلاج خارج غزة.
لكن ذلك الأمل ظل معلقا أمام واقع الحصار وإغلاق المعابر وتعذر السفر للعلاج، فيما أخذت حالة جواد الصحية تتدهور تدريجيا، من دون أن تتمكن والدته من تأمين فرصة العلاج التي كانت تعقد عليها آمالها لإنقاذ ابنها.
ومع استمرار تدهور حالته، حلت الكارثة التي كانت الأم تخشاها، ففقدت رغدة أبو شارب نجلها جواد، ليرحل ذلك الفتى من دون أن يحصل على علاجه المناسب خارج غزة، تاركا خلفه أما أنهكها الفقد المتكرر.

لم تكن أبو شارب تطلب معجزة، فقد كانت تريد فقط فرصة لابنها كي يتلقى العلاج. لكن حتى تحقيق هذا الرجاء ظل بعيدا، حتى سبقت رحمة الله قسوة البشر، وانطفأت حياة جواد قبل أن يصل إلى المكان الذي ربما كان يمكن أن يمنحه فرصة أخرى للبقاء.
تقول أبو شارب المثقلة بألم الفقدان: "اكتشفوا مرض فلذة كبدي متأخراً، ورغم محاولات الاعتناء به وتوفير الغذاء له من أجل مجابهة المرض، إلا أنه فقد الشهية وأصبح جسمه هزيلاً"،
وتضيف: "في الأيام الثلاثة الأخيرة التي سبقت وفاته، ارتفعت حرارة جسمه وأصابه ألم شديد في أمعائه"، مشيرة إلى أنه حُرم من السفر للعلاج رغم خطورة حالته وحصوله على تحويلة طبية مستعجلة.
مرضى يئنون تحت نار الحرب
يكتوي مرضى السرطان في قطاع غزة عدة مرات، الأولى بألم العلاج بالكيماوي، والثانية بمعانتهم مع انعدام معايير العلاج الصحي، والثالثة بحرمانهم من السفر إلى خارج القطاع لإكمال رحلتهم العلاجية.
تشير هيفاء المدهون (52 عاماً) التي تعاني من مرض سرطان الثدي منذ عام 2021، إلى أن الأطباء أخبروها حينها بضرورة إجراء عملية استئصال كامل قبل أن يتراجعوا، ثم حولت إلى الضفة الغربية وتم أعطاؤها جرعات كيماوي قبل عودتها مجدداً إلى قطاع غزة.
وتقول: "وقوع الحرب حال دون إكمال العلاج في الضفة الغربية، ما اضطرني لأشتري أدويتي من الصيدليات الخاصة في قطاع غزة بمبالغ طائلة، إذ كلفني ثمن دوائي نحو 420 شيقلا (140) دولاراً كل شهر.
وتضيف المدهون التي فقدت بيتها ومصدر رزق أسرتها واستشهد ثلاثة من أبنائها في ظل حرب الإبادة، ورغم ذلك بقيت تعاني الأمرين في توفير الدواء بسبب شحه وضيق الوضع الاقتصادي، و كذلك رغم حصولها على تحويلة على الامارات لم تستطيع السفر بسبب الأوضاع في ذلك الحين.
رؤوفة زايدة (48 عاماً) مصابة هي الأخرى بسرطان الثدي في المرحلة الثانية، وقد أجريت لها عملية استئصال ثدي كامل مع الغدد الليمفاوية، وحالياً تسير في رحلة العلاج بالكيماوي، وبعدها تحتاج إلى علاج هرموني سيستغرق بين عامين إلى أربعة أعوام.
تتعرض زايدة لآلام شديدة تترافق مع سقوط شعر وأسنان وألم المفاصل وضعف الدم وسوء التغذية، مشيرة إلى أن "العلاج الكيماوي" ينهك جسدها بينما الغذاء الصحي غير متوفر كونها تعيش وضعاً صعباً في خيمة نزوح تفتقر لأدنى المعايير الصحية.
وتقول: "استضافني أهلي مؤقتاً في غرفة إلى حين أن أنهي جرعات الكيماوي"، موضحة أنها تقدمت بطلب للحصول على تحويلة طبية للخارج، لكنها لم تحصل عليها. وتضيف: "لدي أربعة أطفال، وأكثر ما أخشاه أن يفقدوا أمهم".
وأوضحت زايدة خوفها أن الوضع يزداد سوءاً في ظل نقصان فرص العلاج بسبب ظروف الحرب، مشيرةً إلى أن فرص العلاج داخل قطاع غزة محدودة، وإن توفرت بعض الأدوية فهي تفوق قدرة المرضى على شرائها، وطالبت في الوقت ذاته بالحصول على تحويلة طبية إلى الخارج لتلقي العلاج وفق الأصول الطبية والصحية.
وتظهر بيانات الوزارة ارتفاعاً في معدلات الإصابة بالسرطان في فلسطين إذ بلغ المعدل العام 135.5 حالة لكل 100 ألف من السكان في 2025، مقارنة بـ130.8 حالة في 2024، و83.8 حالة في 2015.

المفاضلة بين المرضى
ويؤكد مدير قسم الأورام في مركز غزة للسرطان د. محمد أبو ندى، أنه يوجد حالياً نحو (11 ألف) مريض سرطان في قطاع غزة معظمهم يجري متابعة حالتهم في المركز بفرعيه في غزة وخان يونس، مشيراً إلى أن أربعة آلاف مريض بحاجة ماسة إلى تلقي العلاج في الخارج لكن الاحتلال يمنع أو يعيق سفرهم.
وأوضح أن هناك نقصاً كبيراً بجرعات العلاج الكيماوي، "إذ تتوفر منه ما نسبته 20-30% من حجم الاحتياج"، موضحاً أن نسبة النقص في أدوية السرطان تتجاوز الـ70%، أما بالنسبة للأدوية المسكنة فالنقص أكثر من ذلك بكثير وتكاد تكون شبه مفقودة.
ونوه أبو ندى إلى أن الوضع القائم فرض على المستشفيات تأخير جرعات علاجية لمعظم المرضى، بل أحياناً يقومون بالمفاضلة بين المرضى بحسب سوء الحالة.
وتابع: "مجموعة من المرضى تعاني من الألم الشديد لذا تعطى لهم الأولوية في تقديم العلاج الكيماوي"، منوهاً إلى أن مريض السرطان غالباً ما يحتاج إلى أدوية مخدرة للألم وهي غير متوفرة أو شحيحة.
هدم المستشفى التخصصي الوحيد
ويوضح استشاري أمراض الدم في مركز غزة للسرطان د. هاني عياش، أن معظم مرضى السرطان كانوا قبل الحرب يتلقون العلاج في مستشفى الصداقة التركي الفلسطيني المختص في أمراض السرطان، إذ كان يوفر الخدمات العلاجية والكيماوية والجراحية والعلاجات التلطيفية، لكن المركز تعرض للهدم بسبب قصف الاحتلال.
ولفت عياش إلى أن المرضى بعد هدم المركز أصبحوا "تائهين" يبحثون عن العلاج في جميع المستشفيات إن توفر فيها بعض الخدمات، بالإضافة إلى البحث عن أطباء مختصين يشرفون على علاجهم.
وقال: "مازال المرضى تنقصهم احتياجات كثيرة، نحن لا نتكلم فقط عن العجز بالعلاج الكيماوي، ولكن أيضاً هناك دمار هائل في البنية التحتية للمستشفيات ونقص حاد في أجهزة الدم التي تساعد في متابعة هؤلاء المرضى".
وأكد عياش أن نتائج العلاج الخاصة بمرضى السرطان ليست إيجابية في الغالب، نظراً لأن المريض يحتاج إلى خطة علاجية ثابتة تتضمن تقديم جرعة "الكيماوي" أو علاج المناعة، وأيضاً العلاج النفسي والعلاج التغذوي، "لكن هذه الخطط العلاجية لا تقدم بكفاءة عالية بسبب الظروف التي فرضتها الحرب".
وأشار إلى أن هناك جهازان فقط متخصصان في تشخيص مرض السرطان في قطاع غزة أحدهما في مستشفى ناصر والآخر في مستشفى المعمداني (الأهلى العربي)، ولكن نظراً للحجوزات الهائلة، يحصل تأخير في حصول المريض على الرعاية المطلوبة.
ونوه عياش إلى أن الأطباء يلجأون أحياناً لأساليب بدائية لتشخيص المرض لكنها لا تفي بالغرض، موضحاً أن "التشخيص المبكر" يساعد على النجاح في تحقيق العلاج، لكن بسبب ظروف الحرب، فإن غالبية المرضى الذين يأتون للتشخيص يكتشفون المرض لديهم في مرحلة متقدمة، ما يقلل فرص النجاح.
بالنسبة إلى الطبيب أبو ندى فيرى أن العالم اليوم أمام اختبار أخلاقي حقيقي للضغط على الاحتلال للسماح لمرضى السرطان في غزة بتلقي العلاج كباقي البشر في هذا الكون، وقال: "مطالبنا ليست تعجيزية، بل إنسانية وعادلة، لابد أن يستجيب العالم كي يضغط على الاحتلال من أجل مرور آمن للأدوية وخروج آمن للمرضى".

ملاحظة : تم اعداد هذا التقرير ، ضمن مشروع ( تمكين الإعلام المهني والحوار المجتمعي في غزة ) الذي تنفذه مؤسسة بيت الصحافة ، والممول من الاتحاد الأوروبي، وبتنفيذ من قبل Expertise France وCFI. إذ تعبّر الآراء الواردة عن وجهة نظر الكاتب وحده، ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر الاتحاد الأوروبي أو Expertise France أو CFI
