ليس السؤال اليوم: من دخل المجمع الانتخابي؟ ومن بقي خارجه؟

السؤال الأعمق، والأكثر وجعاً، هو: هل اتسعت عملية الاختيار لكل فتح، أم اتسعت فقط لمن كانوا أقرب إلى أبواب الحركيات والأطر القطاعية؟

نقول ذلك لا اعتراضاً على أسماء، ولا انتقاصاً من أحد، ولا تشكيكاً في حق أي فتحاوي اختير للمشاركة. فكل من وقع عليه الاختيار هو ابن من أبناء هذه الحركة، وله مكانته واحترامه. لكننا نتحدث عن حق السؤال، وعن ضرورة أن تكون المعايير واضحة، وأن يشعر كل فتحاوي بأن بيته التنظيمي لا يغلق أبوابه في وجهه.

فتح ليست مجرد قطاعات وحركيات وأطر تنظيمية.

فتح حكاية شعب، وذاكرة وطن، وبيوت فتحت أبوابها لها في أصعب الأيام، وأسماء دفعت ثمن انتمائها حين كان الانتماء موقفاً لا شعاراً. فتح هي الذين كانوا في الميدان، وهي الذين كانوا خلف الميدان، هي المناضل التنظيمي، وهي الطبيب، والمهندس، والمحامي، والأستاذ الجامعي، والمعلم، والمثقف، والكاتب، والباحث، والناشط المجتمعي، وكل صاحب خبرة ومكانة اجتماعية آمن بالمشروع الوطني وحمل رايته.

هناك فتحاويون لم يدخلوا من بوابة حركية قطاعية، لكنهم لم يخرجوا يوماً من بوابة فتح.

هناك من حملوا اسم الحركة في الجامعات، وفي المؤسسات، وفي المدارس، وفي النقابات، وفي المجتمع، وفي الثقافة، وفي تفاصيل حياة الناس. وهناك من ظلوا أوفياء للحركة دون أن يبحثوا عن موقع أو إطار أو واجهة.

فهل غيابهم عن بعض الأطر يعني غيابهم عن فتح؟

وهنا تحديداً يصبح السؤال مشروعاً، بل ضرورياً:

ما هي المعايير التي تم على أساسها اختيار أعضاء المجمع الانتخابي في قطاع غزة ؟ وهل كانت هذه المعايير معلنة وواضحة أمام القاعدة الفتحاوية؟

إذا كانت هناك معايير تنظيمية محددة، فليكن من حق الكادر أن يعرفها. ليس ليعترض على أحد، وإنما ليعرف كيف تُدار العملية التي ستحدد أسماء من سيمثلون الحركة في محطة انتخابية مهمة.

فالشفافية لا تعني أن يحصل الجميع على ما يريدون، لكنها تعني أن يعرف الجميع لماذا حدث ما حدث.

وحين لا تكون المعايير واضحة، يبدأ السؤال، ثم يتسع السؤال، ثم تتسلل إلى القاعدة مشاعر التهميش والاستبعاد، حتى وإن لم يكن الاستبعاد مقصودًا.

وهذا ما ينبغي أن تنتبه إليه حركة بحجم فتح.

إن القوة الحقيقية للحركة الجماهيرية ليست في قدرتها على تنظيم أطرها فقط، وإنما في قدرتها على استيعاب مجتمعها كله.

نحن بحاجة إلى تنظيم قوي، نعم، لكننا بحاجة أيضاً إلى تنظيم يرى ما وراء حدوده التنظيمية. يرى الطبيب الذي أفنى سنواته في خدمة الناس، والمهندس الذي كان حاضراً في مؤسسات المجتمع، والمثقف الذي حافظ على الذاكرة الوطنية، والأستاذ الذي ربّى أجيالاً، والكاتب الذي حمل وجع فلسطين بالكلمة، والناشط الذي ظل في الميدان، والكفاءة التي لم تجد لنفسها طريقًا إلى الحركية القطاعية.

هؤلاء ليسوا هامشاً في فتح.

هؤلاء جزء من صورتها الاجتماعية والوطنية.

ولا ينبغي أن يكون الانتماء إلى قطاع تنظيمي معين هو المقياس الوحيد للحضور والمكانة والتمثيل.

إن المجمع الانتخابي، مهما كانت أهميته، يظل أداة من أدوات العمل التنظيمي، وليس تعريفاً نهائياً لمن هو فتحاوي ومن ليس فتحاوياً. فتح أوسع من المجمع، وأكبر من المسميات، وأعمق من الهيكل التنظيمية.

فتح هي مجموع تاريخ أبنائها، بكل اختلافاتهم ومواقعهم وخبراتهم، وهي بيت يفترض أن يشعر فيه كل من دفع ثمن انتمائه، وصمد في أيام المحنة، وحافظ على رايتها، أن له مكانًا وصوتًا ودورًا.

ولذلك، فإن السؤال الذي يخرج من الفتحاويين ليس سؤال شخص، ولا اسم، ولا مقعد.

إنه سؤال عن صورة الحركة التي نريدها.

هل نريد فتحاً ترى المجتمع من خلال أطرها فقط؟ أم نريد فتحاً ترى أطرها داخل مجتمع أوسع، فتستوعب التنظيم والكفاءة والمكانة الاجتماعية والتاريخ النضالي والخبرة الوطنية في لوحة واحدة؟

إن أبناء فتح لا يطلبون امتيازاً، إنهم يطلبون وضوحاً. ولا يطالبون بإقصاء أحد، بل يطالبون بألا يشعر أحد بأنه أُقصي. ولا يريدون كسر التنظيم، بل يريدون تنظيمًا أكثر اتساعًا وعدلًا وشفافية.

وفي هذه المرحلة، ربما يكون أجمل ما يمكن أن تفعله الحركة هو أن تشرح، وأن تستمع، وأن تفتح مساحة للنقاش.

فالكادر الذي يسأل ليس بالضرورة متمرداً، والذي ينتقد ليس بالضرورة خصماً، والذي يطلب التوضيح لا يطلب أكثر من أن يشعر أن صوته مسموع.

فتح التي صنعتها الجماهير لا ينبغي أن تخاف من أسئلة الجماهير، فالبيوت الكبيرة لا تضيق بأبنائها، والحركات العظيمة لا تخشى النقد الصادق، والتنظيم الذي يثق بنفسه لا يخشى الشفافية.

ولأن فتح كانت دائمًا فكرة تتسع لفلسطين كلها، فإن الأمل أن تظل أيضًا بيتًا يتسع لكل أبنائها؛ للمناضل التنظيمي، وللمثقف، وللطبيب، وللمهندس، وللمعلم، وللكاتب، وللأكاديمي، وللشخصية المجتمعية، ولكل من حمل اسمها يوم كان حمل الاسم مسؤولية وثمنًا.

فالانتخابات قد تختار مرشحين، لكن الشفافية هي التي تختار طريق الثقة. وفتح، قبل أن تكون مجمعاً انتخابياً، هي ذاكرة شعب. وقبل أن تكون أسماءً في قائمة، هي تاريخ رجال ونساء قالوا يوماً: هذه فتح… وهذا طريقنا.

ولذلك، يبقى السؤال مفتوحاً، لا ضد أحد، بل من أجل الجميع: هل يستطيع المجمع الانتخابي أن يعكس فتح بكل ألوانها وطاقاتها وكفاءاتها، أم أنه يعكس فقط الجزء الذي وصل إلى قاعة المجمع؟

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد