كشفت حادثة الطائرة التابعة لشركة "فلاي دبي"، التي كانت تقل ركاباً إسرائيليين وكادت تتعرض لكارثة بعد محاولة مساعد الطيار السيطرة عليها، أكثر من مجرد خلل خطير في أمن الطيران. فقد كشفت في الوقت نفسه عن ثغرات في منظومة الأمن، وعن اعتماد إسرائيل على شبكة إقليمية أوسع مما توحي به خريطة علاقاتها الدبلوماسية الرسمية، وعن سرعة إدخال الخطر الأمني في المعركة الانتخابية الإسرائيلية.

وفي تحليلات إسرائيلية مختلفة للحادثة، ظهرت زاويتان أساسيتان: الأولى ركزت على الجانب الأمني والسياسي الداخلي، والثانية على البعد الإقليمي وشبكة العلاقات التي تعمل إسرائيل داخلها. ورغم اختلاف الزاويتين، فإنهما تلتقيان عند حقيقة مهمة: إسرائيل ليست قادرة على التحكم وحدها بكل ما يتعلق بأمنها، لا داخل حدودها ولا في محيطها الإقليمي.

فمن الناحية الأمنية، كشفت الحادثة ثغرات في إجراءات فحص أفراد أطقم الطيران وأمتعتهم، بعدما تمكن مساعد الطيار من إدخال سكين إلى الطائرة. والأهم أن إنقاذ الطائرة لم يكن نتيجة عملية أمنية إسرائيلية، وإنما جاء بفضل تصرف الطيارين والركاب الذين تمكنوا من السيطرة على مساعد الطيار والطائرة.

وهذا التفصيل مهم، لأنه يضعف محاولة تقديم الحادثة باعتبارها نجاحاً أمنياً إسرائيلياً. فإحباط الكارثة لا يلغي حقيقة أن الخطر وصل إلى داخل الطائرة أصلاً، وأن منع المأساة ارتبط في النهاية بتصرف أشخاص كانوا على متنها.

لكن البعد السياسي ظهر سريعاً بسبب توقيت الحادثة. فقد جاءت بعد يوم واحد من تحذير رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو من وجود معلومات استخبارية عن نيات "أعداء إسرائيل" تنفيذ هجمات عشية الانتخابات بهدف التأثير فيها. وبعد ساعات، أصبحت حادثة الطائرة مادة جاهزة لربطها بتحذير نتنياهو.

غير أن المعطيات التي أوردها بعض المحللين لا تثبت وجود علاقة بين الأمرين. فقد نقل عن مصادر أمنية عدم معرفتها بمعلومات استخبارية استثنائية من النوع الذي تحدث عنه نتنياهو، فيما قال رئيس المعارضة يائير لبيد إن حادثة الطائرة لم تظهر في التحديث الأمني الذي تلقاه خلال اجتماعه مع رئيس الحكومة.

المسألة هنا ليست إنكار وجود تهديد أمني حقيقي، وإنما السؤال: ما الذي كانت تعرفه المؤسسة الأمنية فعلاً، وما الذي عرفه نتنياهو، وكيف جرى تقديم هذه المعلومات للجمهور في لحظة انتخابية؟ وهنا تصبح الحادثة جزءاً من عودة الأمن إلى قلب المعركة الانتخابية الإسرائيلية.

لكن هناك زاوية أخرى لا تقل أهمية. فالطائرة التي عبرت أجواء الإمارات والأردن وهبطت في السعودية رسمت خلال دقائق خريطة مختلفة لعلاقات إسرائيل في الشرق الأوسط، لا تتطابق مع خريطة التطبيع والعلاقات الدبلوماسية الرسمية.

فإلى جانب الدول التي وقعت اتفاقيات سلام أو تطبيع مع إسرائيل، توجد شبكة أخرى من العلاقات الأمنية والخلفية والعملية، بعضها معلن وبعضها أقل ظهوراً، تتجاوز حدود العلاقات الدبلوماسية الرسمية. وهناك ترتيبات تتعلق بالطيران والمجال الجوي والتنسيق الأمني تشارك فيها دول لا تقيم علاقات دبلوماسية مع إسرائيل.

السعودية وعُمان مثالان واضحان. فكلتاهما لا تقيمان علاقات دبلوماسية مع إسرائيل ولم تنضما إلى اتفاقيات إبراهيم، لكنهما سمحتا باستخدام مجالهما الجوي أمام الطائرات الإسرائيلية وفق ترتيبات محددة. وهذا يعني أن غياب التطبيع الرسمي لا يعني بالضرورة غياب التعاون أو الاتصالات أو المصالح المشتركة.

وفي حادثة الطائرة ظهر هذا الأمر بصورة عملية. فقد سمحت السعودية للطائرة بالهبوط في تبوك وإنقاذ ركابها الإسرائيليين، لكنها رفضت لاحقاً طلب إسرائيل إرسال طائرة عسكرية لإعادتهم، فعادوا على متن طائرة "فلاي دبي".

يكشف هذا الفارق حدود التعاون: يمكن لدولة لا تقيم علاقات دبلوماسية مع إسرائيل أن تتعاون معها في حالة طوارئ، من دون أن يعني ذلك استعدادها لتقديم كل أشكال التعاون، خصوصًا العسكري.

لكن هنا يجب ألا يتوقف النقاش عند قدرة إسرائيل على بناء شبكة أمنية إقليمية. فالسؤال الأهم هو: لماذا تحتاج دولة الاحتلال أصلاً إلى هذه الشبكة، وما الذي يجعلها أكثر استقراراً واستدامة؟

اتفاقيات إبراهيم أوجدت قنوات جديدة للتعاون السياسي والاقتصادي والأمني، لكنها لم تُنهِ القضية الفلسطينية، ولم تضع حداً للاحتلال والاستيطان، ولا للحرب على غزة وما رافقها من قتل ودمار وجرائم حرب، كما لم توقف إرهاب المستوطنين في الضفة الغربية. وفي المقابل، تواصل دولة الاحتلال سياسات التوسع والسيطرة، فيما يعبّر نتنياهو علناً عن تصورات تتجاوز حدود إسرائيل الحالية وتسعى إلى تعزيز نفوذها وهيمنتها في المنطقة.

لذلك فإن التطبيع، مهما اتسعت دائرته، لا يعني تلقائياً إزالة مصادر التهديد التي تواجه دولة الاحتلال. فقد تنجح دولة الاحتلال في إقامة علاقات وترتيبات أمنية مع دول عربية، وفي الوقت نفسه تستمر في إنتاج بيئة إقليمية وسياسية تجعل أمنها عرضة للتوتر والتهديد.

فالأمن لا يُبنى فقط بالاتفاقيات الأمنية، وإنما أيضاً بالسياسة التي تتبعها دولة الاحتلال تجاه الفلسطينيين والمنطقة. واستمرار الاحتلال والاستيطان، والحرب على غزة، والعدوان، وإرهاب المستوطنين، لا يمكن التعامل معها باعتبارها ملفات منفصلة عن مسألة الأمن الإسرائيلي.

ومن هذا المنظور، فإن بقاء القضية الفلسطينية من دون حل يجعل اتفاقيات التطبيع غير كافية وحدها لتوفير أمن مستدام لإسرائيل. يمكن لهذه الاتفاقيات أن ت فتح قنوات للتنسيق وتبادل المصالح، وربما تساعد في إدارة بعض الأزمات، لكنها لا تلغي أسباب التوتر ولا تمنع إنتاج تهديدات جديدة.

وهنا تكمن إحدى مفارقات حادثة الطائرة: إسرائيل تحتاج إلى دول المنطقة في لحظة الخطر، بما فيها دول لا تقيم معها علاقات دبلوماسية، لكنها لا تستطيع أن تتوقع أن تفصل هذه الدول إلى ما لا نهاية بين مصالحها الأمنية وبين ما يحدث في فلسطين والمنطقة، أو أن تتحمل بلا حدود الكلفة السياسية للتعاون مع دولة تواصل حربها وعدوانها وسياساتها التوسعية.

لذلك فإن النقاش الإسرائيلي حول الأمن يحتاج إلى أن يتجاوز سؤال: كيف نحمي إسرائيل من التهديدات؟ إلى سؤال آخر: ما السياسة التي يمكن أن تقلل هذه التهديدات أصلًا؟

حادثة الطائرة تكشف ثلاث مسائل مترابطة: ثغرات في الأمن الداخلي، وإدخال التهديد الأمني في المعركة الانتخابية، واعتماد دولة الاحتلال على شبكة إقليمية من العلاقات الرسمية والأمنية والخلفية والعملية. لكنها تطرح سؤالاً أعمق: هل يمكن لدولة الاحتلال أن تطلب من المنطقة توفير الأمن والتعاون، بينما تستمر سياساتها في إنتاج التوتر والعدوان وعدم الاستقرار؟

قد تبقى الجسور الإقليمية مفتوحة، وقد تستمر العلاقات الأمنية والخلفية، وقد تتوسع اتفاقيات إبراهيم، لكن من دون حل عادل للقضية الفلسطينية وإنهاء الاحتلال، ستظل هناك تهديدات وتحديات أمنية لا تستطيع الطائرات المقاتلة ولا أجهزة الاستخبارات ولا اتفاقيات التطبيع وحدها أن تنهيها.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد