تُعد العلاقات الزوجية أسمى العلاقات الإنسانية وأعظمها أثراً، فهي اللبنة الأساسية التي تُبنى عليها الأسرة، ومن ثم يُقاس بها استقرار وتماسك المجتمع بأسره، وخصوصاً في ظل الظروف غير الطبيعية التي فرضتها الحروب والنزوح والتهجير القسري وتشريد العائلات ودمار البيوت، وضعت هذه المآسي الكبرى وما تبعها من فقدان، وصدمات، وضغوط حياتية واقتصادية واجتماعية قاسية، الأسر والزوجين تحت وطأة صراعات داخلية وخارجية هائلة، وأصبحت هذه الظاهرة من الأولويات الملحة للمختصين الاجتماعيين والنفسيين لمخاطرها الجمة، ولأهمية العلاقات الأسرية في تحصين الجبهة الداخلية والنسيج الاجتماعي.
ومن المفارقة حقاً أن الخلافات الزوجية تبدو متشابهة وموحدة بين كل الفئات الاجتماعية في ظروفنا الراهنة؛ فلا فرق بين حاصل على أعلى الدرجات العلمية أو أكاديمي أو مهني مختص وبين الإنسان البسيط، فكلهم أمام قسوة الظروف يواجهون ذات التحديات، مع اختلافات في ردة الفعل والتعامل، فحين تغيب العقول عند الانفعال، ينسى الأزواج أصل الحكاية وطبيعة علاقتهم الدافئة، وتكون العصبية سيدة للموقف، لذا كانت لنا هذه الوقفة للتذكير والتوجيه ومساعدة الأزواج للعلاج الذاتي أولاً، ثم اللجوء للتدخلات الخارجية لإنقاذ الأسرة، وهو أمر طبيعي ومحبذ شرعاً ومهنياً.
ومن أبرز تلك الصراعات تلك التي تدور داخل الأسرة بين ركنيها الرئيسيين، اللذين تربطهما أواصر مودة والرحمة؛ إذ تبرز المشاحنات أحياناً بلا مبرر ظاهر وتتصاعد بوتيرة متسارعة، وكأن كل ما يتعرض له الشريكان من ضغوط وصدمات تتمركز وتنفجر في شكل صراعات أسرية قد تنتهي بالانفصال، مخلفةً وراءها مآسيَ مضاعفة للأطفال والأبناء وللعائلة الكبيرة؛ ومن هنا، تأخذ المشاكل الزوجية اهتماماً بالغاً وأولوية في بيئتنا المحلية، لكونها تمثل حجر الزاوية في بناء مجتمع صالح وانعكاسها على التنشئة الاجتماعية للأطفال.
تبدأ رحلة العلاج والتعافي الحقيقي من المشاكل الاسرية تنطلق من الزوجين أنفسهما؛ فمن الجميل والمثالي أن يبادر الأزواج إلى تشخيص الخلافات بموضوعية عبر دراسة جذور المشكلة، وإدراك حقيقة جوهرية وهي أن الظروف القاسية هي العدو المشترك وليست الشريك، ويحتاج الأمر إلى الاستماع الهادئ لبعضهما البعض، والتحدث بشفافية عما ينتظره كل طرف من الآخر، وتحديد الجوانب التي بحاجة ماسة لمعالجة مشتركة.
وحين تشتعل الخلافات وتتجاوز قدرة الثنائي على احتوائها، يلجأ الطرفان غالباً إلى الأهل والمقربين للوساطة والحل من باب الخبرة والتجارب. ورغم أن هذه الحلول قد تكون أحياناً ترقيعية وليست جذرية، إلا أن تقبل الزوجين لها احتراماً للمتدخلين يمنح العلاقة هدنة مؤقتة، شريطة ألا تتسبب في تعميق الفجوة ما لم ترافقها معالجات أعمق ذاتية من الزوجين أنفسهم.
وفي حال استمرار الأزمة، يبرز الدور المحوري للأخصائي الاجتماعي والأسري باعتباره شخصية مختصة تمتلك مهارات علمية لمعالجة المشاكل الأسرية بمهنية عالية، وهنا يتطلب الأمر التخلص من وصمة اللجوء للمختص والنظر إليه باعتباره إسعافاً أولياً نفسياً يحتاجه الجميع في بيئات الصدمات الجماعية، وهو دور يمتلك مجتمعنا كفاءات قادرة على لعبه بوعي وانفتاح ومهنية كمختصين.
ولأن استقرار الأسرة هو الحصن الأمني والنفسي للأطفال وحمايتهم من التنشئة المضطربة -خصوصاً في زمن الحرب حيث يخاف الأطفال من تصدع بيوتهم من الداخل تماماً كما يخافون من قصف الخارج-فإن على الزوجين تبني استراتيجيات علمية ونفسية دقيقة تجاوزاً لهذه الأزمات، ومن أبرز المقترحات ممارسة ما يُعرف بـالتفريغ الانفعالي الواعي" بعيداً عن اتهام الشريك، وإدراك أن الغضب السطحي غالباً ما يكون قناعاً لخوف دفين أو صدمة نزوح غير معالجة، ويضاف إلى ذلك تخصيص مساحة للحوار اليومي الهادئ والتركيز على لغة المشاعر بدلاً من اللوم، مع تطوير المرونة النفسية عبر ممارسة تقنيات التنفس العميق واليقظة الذهنية.
إن هذه المعالجات المتكاملة تظل صمام الأمان الوحيد لحماية المجتمع من التصدع، ولنختم بخلاصة عملية جامعة لا تتخذوا أبداً أي قرار مصيري في قمة الانفعال، وتذكروا دائماً أن الشريكين هما شخص واحد يعيش في نفسين متكاملين، تتبادلان الحب والألفة والعشرة، فأحفظوها يحفظكم الله....
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية
