حين قرأت ما كتبته الصديقة وسام ياسين على صفحتها عن يومها في فرنسا، وهي تحتفل بعيد ميلاد فداء زياد، في بيت دنيا الأمل إسماعيل، توقفت طويلًا أمام الكلمات والصور.

نساء من غزة يجتمعن في باريس، يضحكن، يتذكرن، يأكلن المفتول، ويتبادلن التهاني، ويصنعن، كما قالت وسام، «غزة صغيرة».

يا لهذا التعبير الذي يبدو بسيطًا، لكنه يحمل كل هذا الوجع!

فغزة الصغيرة التي صنعنها في باريس لم تكن مجرد لَمّة صديقات. كانت غزة التي حملنها معهن حين اضطررن إلى الرحيل. كانت البيوت التي تركنها، والشوارع التي حفظنها خطوة خطوة، والبحر الذي لم يعد قريبًا، ووجوه الأحبة، ورائحة الطعام، وضحكات الأطفال، وكل تلك التفاصيل الصغيرة التي لا نعرف قيمتها إلا حين تصبح بعيدة.

في الصور، تبدو الوجوه مبتسمة. لكنني أعرف أن خلف كل ابتسامة حكاية، وخلف كل ضحكة غصة، وخلف كل تهنئة بعيد الميلاد سؤالًا صامتًا يسكن القلب: متى نعود؟

أي قسوة هذه التي تجعل بنات غزة يحتفلن بغزة بعيدًا عن غزة؟

وأي حرب تلك التي لا تكتفي بتدمير البيوت، وقتل الأحبة، وتحويل الشوارع إلى ركام، بل تدفع من بقي حيًا إلى حمل وطنه في حقيبة، والرحيل بعيدًا عن المكان الذي كان يفترض أن يكون البيت الأخير؟

غزة ليست حجارة وبيوتًا وشوارع فقط. غزة ناسها. نساؤها، أطفالها، شبابها، شيوخها، بيوتها المفتوحة، موائدها العامرة، وضحكاتها التي كانت تملأ الأزقة.

وحين تقتلع حرب الإبادة وردة من غزة، فإنها لا تقتلع إنسانًا واحدًا فقط؛ إنها تنتزع من المدينة جزءًا من روحها، وتترك خلفها فراغًا لا تملؤه المدن كلها.

لذلك، وأنا أرى هذه اللمة الغزية في باريس، لم أستطع إلا أن أتساءل بحسرة: كم من غزة بات يعيش خارج غزة؟ وكم من قلب غزي صار معلقًا بين مكانين؛ مكان تركه قسرًا، ومكان يعيش فيه بعيدًا، مهما طال الزمن؟

جميل أن يجتمعن، وأن يضحكن، وأن يأكلن المفتول، وأن يحاولن صناعة الفرح وسط المنفى. جميل أن تحمل وسام وفداء ودنيا وغيرهن غزة في قلوبهن، وأن يزرعن من ذكرياتها شيئًا يشبه الحياة.

لكن الأجمل أن يأتي يوم لا تكون فيه غزة مجرد ذكرى يحملنها معهن، ولا «غزة صغيرة» يصنعنها في باريس.

نريد غزة الكبيرة… غزة التي يعود إليها أهلها، وتُ فتح فيها الأبواب، وتُضاء البيوت، وتعلو فيها ضحكات الأطفال، وتعود إليها ورداتها.

متى يتوقف هذا النزف.

متى يتوقف اقتلاع الورد من غزة.

فغزة لا تستحق أن تفقد ورداتها واحدة تلو الأخرى، ولا أن تصبح أجمل ذكرياتها معلقة على جدران المنافي.

غزة بلا ورداتها ليست غزة… إنها صحراء من الحنين.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد