لا توجد إجابات مرضية عن الكثير من سياقات العملية الانتخابية، خاصة فيما يتعلق بفنياتها ذات البعد السياسي وكيفية عقدها في غزة أو القدس أو حتى في ظل التصعيد في الضفة الغربية، ورغم الاستعدادات التي تقوم بها قيادة فتح من أجل التحضير لخوض الانتخابات ورغم عدم اليقين الكامل بأن مثل هذه الانتخابات قد تحدث فعلاً، إلا أن فتح بوصفها حارسة الحلم الوطني وعامود الخيمة عليها أن تعمل بشكل جدي من أجل إنجاز الانتخابات ومن أجل الفوز بها. 
غاية أي تنظيم سياسي هو الصعود للحكم، وإصرار فتح على الفوز ليس هيمنة ولا تفرداً بل هو إعادة اختبار لقناعات الناس بتنظيمهم الأول وبرصاصتهم الأولى وبقرارهم الوطني المستقل. 
ثمة الكثير من الملاحظات على الأداء وستظهر ملاحظات أكثر حول إدارة عملية الانتخابات فتحاوياً؛ من اختيار المرشحين حتى الدعاية الانتخابية، لكن مع ذلك فعلى الفتحاويين أن ينتبهوا أنهم لا يملكون ترف الاختلاف والشقاق، وهذا ليس وقت ردات الفعل ولا الزعل، رغم وجود مليون سبب لذلك. 
ومع أنني ما زلت أرى وطنياً الصواب في تأجيل الانتخابات لكن في حال عقدها يجب تكاتف الجهود حتى تواصل فتح مسيرة عطائها وحمايتها للنضال التحرري. المشكلة أن خصوم فتح يخطئون كعادتهم إذ يظنون أن تأجيل الانتخابات هروب فتحاوي، وهذا ليس صحيحاً، ففتح تريد انتخابات حقيقية لأنها ببساطة لو كانت تفكر فقط في الربح والفوز بأي ثمن (حتى على حساب المصلحة الوطنية) لوجدت ألف طريقة للقيام بذلك، ولنا في عالمنا العربي من محيطه لخليجه مثال. 
فتح لا تمتلك ترف الخسارة، لا لسبب إلا لأن هذه الخسارة ستُجهز على آخر ما تبقى من المنجز الوطني الذي تراكم على مدار ستة عقود من الثورة الفلسطينية. 
لذلك فحتى ترف النقاش والجدل قد يتلاشى، رغم وجوبه، أمام الحاجة لتدارك ما يمكن أن يحدث. 
وهذا أيضاً تحذير واجب لقيادة الحركة، يتأصل على عدم الاستخفاف بالإرادة الفتحاوية وبتطلعات جماهير فتح التي تحب حركتها ولا تريد أن ترى نفسها أمام ردة فعل تعاقبها فيها بالحجب أو التصويت السلبي. 
الناس تحب فتح لكنها لن تكون مرغمة على انتخاب أشخاص لا تريدها. 
هناك فرق بين حبهم لفتح وبين تصويتهم لقائمة لا تشبههم. 
وعليه يجب الالتفات للملاحظات وللنقاش الفتحاوي الداخلي.
الجمهور الذي سينتخب فتح ليس أعضاء المركزية والثوري والأقاليم، إنه جمهور يريد مرشحين يشبهونه قادرين على تمثيله والدفاع عن همومه، لذا فالأمر لا علاقة له بالموقع التنظيمي ولا بالمرتبة التنظيمية بقدر ارتباطه أكثر بالمقدرة على القيام بهذا الدور، والأهم أن يكون موضع ثقة ورضا الناخب. 
لن نجني أي فائدة من أن نختار نحن مرشحين نحبهم حتى لو اخترناهم عبر عملية داخلية، غير مقنعين لجمهور الناخبين. 
القائد التنظيمي يواصل قيادة التنظيم في موقعه، أما مرشح الحركة في الانتخابات فيجب أن يكون موضع ترحيب من جمهور الناخبين وليس من أعضاء التنظيم وأطره فقط. 
في فتح يجب ألا نحاور أنفسنا أو نقنع أنفسنا أو نكتب ونقرأ لأنفسنا، يجب أن نحاور الجمهور ونتحدث له ونستطلع رأيه. 
هناك الكثير مما يمكن قوله في هذا الجانب. والأهم أننا لا نملك وقتاً آخر حتى نحاول إن خسرنا. 
نعم، لن يوجد مرة أخرى أو مرة قادمة. تتذكرون حين فازت حماس في انتخابات العام ٢٠٠٦ وسجل الفلسطينيون، والنظام السياسي الفلسطيني، تجربة رائدة وغير مسبوقة حيث تم تمكين الحزب المعارض من تشكيل الحكومة وتسليم الحزب الحاكم بالهزيمة، ما الذي حصل؟ 
بالنسبة لحماس لم تكن تلك انتخابات بل معركة كسبتها وعليه دمرت النظام السياسي برمته وفصلت الجغرافيا وانقلبت على المؤسسات التي تم منحها لها وفق شرعية انتخابية. 
كان الأمر ضربة قاضية يجب الإجهاز فيها على الخصم، (فتح) وهكذا حاولت حماس أن تفعل. 
وظل الشعب الفلسطيني يدفع فاتورة انقلاب حزيران وارتداد حماس على العملية الديمقراطية حتى اللحظة. 
ومع استذكار القتل والسحل والتعذيب في سجون حماس تظل مغامرات الحروب والرمي بشعبنا للمحرقة والتهلكة من أبشع ما قامت به. 
تذكّر هذا مهم حتى تدرك فتح ما يمكن أن تؤول إليه الأوضاع لو خسرت الانتخابات. لم يبقَ الكثير لنخسره لأن الخسارة القادمة تعني خسارة شاملة وليست مجرد خسارة انتخابات. 
المغامرون كثر والمقامرون أكثر وأصحاب الأجندات الخارجية يقدّمون الحلول في مغلفات الحاجة والفاقة. 
البعض يستكثر هذا القول ويظنه من باب «الغرور» الفتحاوي. 
ولما حق لفتح أن تعتز بتاريخها وما قدمته للشعب وللقضية وكل هذا كان واجب حركة التحرر التي صاغتها وقادتها فتح، إلا أن الطريقة التي تدير فيها فتح الشأن العام تتسم بالحكمة وتغليب المصلحة العامة على المصلحة الحزبية. 
وجل كادر فتح عادة ما يغضبه الأمر خاصة حين يرون أن فتح «تتنازل» عن مصلحتها وتقدم المصلحة العامة التي تتطلب هذا التنازل. 
كل فتحاوي يشعر كثيراً بمثل هذه اللحظات. فتح تعرف أن النضال الوطني بحاجة للجميع، واضعة خلافاتها واختلافها مع البعض جانباً. 
فتح لا تمتلك الحلول السحرية، لكنها تمتلك الحكمة المطلوبة. 
وحين كان ياسر عرفات يقول إن «الدولة على مرمى حجر» كنا نصدقه ونسمع التهليل والتكبير في المساجد ونسمع قرع أجراس الكنائس ونرى أقواس النصر رغم حلكة الليل وصعوبة الوقت. 
وحين يقول أبو مازن إن «على العالم أن يوفر حماية لشعبنا» لم نكن نشعر بالضعف بل كان بصلابة وقوة يشير لعري العالم وضعفه وهشاشة وازدواجية قوانينه. 
ببساطة لأن في فتح حكمة لا يدرك كنهها إلا الفلسطيني. لذا فكل فلسطيني فتحاوي بالفطرة، إنها فطرته الطبيعية قبل أن تسحبه مغامرة تجريب الأيديولوجيا والأفكار. ففتح هي الجين الوراثي للوطنية الفلسطينية. تتذكرون كيف كلما تقاعد سياسي من حزبه يجد نفسه أقرب لفتح ويصير مدافعاً عنها أكثر من الفتحاويين، ببساطة لأنه حين يخلع عباءة الأيديولوجيا والأفكار الكبيرة يجد نفسه أمام حقيقة الفلسطيني الأصيلة: فتح. 
لا يوجد في فتح شيء فتحاوي إن لم يكن فلسطينياً خالصاً. كل شيء فتحاوي في جوهره نابع من «فلسطينيته». 
يمتد هذا من اسم فتح وأهدافها وشعاراتها حتى إدارتها للشأن العام.
صحيح أن هذه ليست أكثر من انتخابات واجبة وحق للمواطنين لكنها أيضاً استفتاء سياسي يجب أخذه على محمل الجد، وفتح وحدها من ستدفع أي فاتورة مستحقة لو فشلت أو تعثرت، أما بالنسبة للآخرين فإن الانتخابات ليست أكثر من غطاء للتدثر بالنظام السياسي وربما خطفه. 

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد