تتجمع الخيوط السياسية والأمنية لتضع نتنياهو أمام الاستحقاق الانتخابي الأكثر خطورة في تاريخه الممتد. لم يعد النزاع محصوراً في إخفاقات الميدان، بل امتد ليمس أصل الأهلية القيادية، بعد أن تحولت قضية تجاهل التحذيرات والشبهات المحيطة بمكتبه إلى السلاح الأكثر فاعلية بيد معارضيه لتفكيك كتله الانتخابية الصلبة.
من يتأمل الحراك السياسي والإعلامي المحموم في إسرائيل اليوم، يدرك أن المعركة لم تعد تدور فقط حول إدارة الجبهات العسكرية المفتوحة، بل انتقلت بوزنها الأكبر إلى صراع ضارٍ على صياغة "السردية الأخيرة" لواحد من أطول الأدوار السياسية أثراً وجدلاً في تاريخ إسرائيل. بين اتهامات حادة بالإهمال الجنائي وشبهات تمس الدائرة الضيقة للسلطة، تتجمع الخيوط لتطرح سؤالاً بات يتردد بجدية غير مسبوقة: هل بلغت حقبة بنيامين نتنياهو نهايتها المحتومة؟
على مدى عقود، نجح نتنياهو في تقديم نفسه للشارع الإسرائيلي بوصفه "سيد الأمن" الوحيد القادر على قراءة الخرائط الإقليمية ودرء الأخطار الاستراتيجية. وعقب صدمة السابع من أكتوبر، اجتهدت مكينته السياسية في ترسيخ مقولة مفادها أن ما حدث كان مجرد إخفاق استخباري وميداني بحت يتحمل مسؤوليته كبار القادة العسكريين الذين "تقاعسوا عن إيقاظه" ليلة الهجوم. غير أن تتالي التقارير والتسريبات بشأن تحذيرات استباقية رفيعة المستوى – أُبلغ بها شخصياً قبل أيام من المعركة – جاء ليضرب أصل هذه السردية في مقتل؛ إذ تحول السجال من تقصير عسكري في ساعات فجر مفصلية إلى اتهام بالسياسة الواعية القائمة على تجاهل التحذيرات وإخفائها عن المستويات الدفاعية والاستخباراتية، مما يحول القضية في نظر خصومه من مجرد إخفاق إلى إهمال سياسي تنفيذي ذي أبعاد حاسمة.
في المقابل، لم يقف نتنياهو مكتوف الأيدي أمام هذه الهجمة المتصاعدة، إذ سارع إلى النفي القاطع لكل ما وجه إليه، موجهاً محاميه لرفع دعوى قضائية ضد صحيفة "هآرتس". وفي رد رسمي مكثف، أكد نتنياهو أنه لم يجرِ أي اتصال هاتفي مع الرئيس الإماراتي منذ الأول من أيلول/سبتمبر وحتى السابع من أكتوبر 2023، مشيراً إلى أن طاقم مكتبه ومجلس الأمن القومي والسكرتير العسكري بحثوا في السجلات واليوميات الرسمية بأسلوب دقيق ولم يعثروا على أي أثر لمثل هذا الاتصال. كما شدد على أن اتصالاته بالرئيس الإماراتي تُجرى حكماً من مكتبه ب القدس وبحضور مندوب من السفارة يحمل هاتفا مشفراً، في محاولة لتفكيك رواية التحذير المبكر من أساسها الإجرائي واللوجستي.
ولم يتوقف الرد عند النفي الإجرائي، بل صعّد حزب "الليكود" هجومه ببيان شديد اللهجة انتقل فيه من نفي مضمون التقرير إلى اتهام جهات فلسطينية وإسرائيلية بالتدخل في الانتخابات بالتعاون مع أطراف أجنبية، مطالباً ب فتح تحقيق جنائي. وزعم الحزب أن القيادي الفلسطيني محمد دحلان يقف خلف هذه "الأخبار الكاذبة" لإسقاط حكومة اليمين والسيطرة على غزة عبر التمهيد لـ "حكومة يسار ضعيفة" تضم آيزنكوت وغولان وليبرمان والأحزاب العربية، وذلك دون تقديم مستندات تثبت هذه الصلة.
وفي مواجهة هذا الانكشاف، خاض نتنياهو معركة دفاعية هجومية اتهم فيها قيادات المؤسسة الأمنية والمعارضة من الوسط واليمين بالتقصير والتقاعس، بل ووصل الأمر إلى التلميح بوجود شبهات خيانة واستحداث مفهوم "المؤامرة الداخلية". وفي المقابل، لا تتوانى المعارضة رمادياً وسياسياً عن استعادة آليات "الإسقاط النفسي" لتفسير هذا السلوك؛ إذ ترى أن نتنياهو يعيب على الآخرين ذات العيوب التي تحيط بمكتبه. إن الإصرار على وصم القيادات العسكرية بالتآمر أو التقاعس يُقرأ بوضوح في أدبيات وسردية معارضيه كجزء من تكتيك هروب للأمام يستهدف إعادة تشكيل الوعي الجمعي للجمهور وإبعاد شبهة الفشل السياسي عن رأس الهرم.
لم تعد أزمة نتنياهو محصورة في نتائج الحرب وتداعياتها الميدانية، بل امتدت لتطال النواة الصلبة لمركز القرار التنفيذي، أو ما يُعرف بـ "حوض السمك" (مكتب رئيس الوزراء). تشكّل التحقيقات والتسريبات المتصلة بشبهات الاختراق الاستخباراتي أو التعامل غير القانوني مع وثائق ومعلومات حساسة لخدمة مصالح إعلامية وسياسية أجنبية، ضربة عميقة لأخلاقيات إدارة الحكم. هذا التصدع الهيكلي يدعم أطروحة المعارضة بأن النجاة السياسية الشخصية أضحت تتقدم على مقتضيات الأمن القومي، وأن حماية الحاشية والمساعدين باتت شرطاً شارطاً لعدم تساقط أحجار الدومينو داخل السلطة التنفيذية.
تتجمع كافة هذه الخيوط لتُصب في مجرى الاستحقاق الانتخابي القادم. تعلم المعارضة أن اليمين الأيديولوجي الصلب قد لا يتزحزح بسهولة عن موقفه، لكنها تراهن على أن معطيات "التحذيرات المنسية" والشبهات العاصفة بمكتب رئاسة الوزراء تشكّل الرافع الأساسي لاختراق كتلة "وسط اليمين" والناخبين المترددين. إن المطالبة المتزايدة بتشكيل لجنة تحقيق رسمية بصلابة قضائية تعني بوضوح وضع حد لخيارات المناورة؛ فالشارع الإسرائيلي الذي صدمه الفشل البنيوي بات يتساءل بجدية عما إذا كان قادراً على الاستمرار في منح الثقة لمنظومة باتت تحيط بها شكوك الإهمال والتستر.
لا يمكن فصل توقيت نشر هذا الفصل المنشور في صحيفة "هآرتس" عن الهندسة الزمنية للمعركة الانتخابية المحتدة؛ فنشر المادة ضمن كتاب متكامل وقبل أسابيع قليلة من الذهاب إلى صناديق الاقتراع لا يتعدى كونه خطة مدبّرة بعناية لصناعة "صدمة رأي عام" حاسمة. إن تحويل الاتهامات من مناكفات سياسية عابرة إلى وثيقة تاريخية وميدانية مطبوعة يهدف بوضوح إلى هيمنة هذه السردية على وسائل الإعلام، وفرض قضية "الفشل والتحذيرات المنسية" على أجندة الناخبين، بما يضمن إبقاء نتنياهو في موقع الدفاع، ويصعّب عليه توجيه الحملة نحو ملفات أخرى يفضل الخوض فيها.
بين الرغبة الجامحة في البقاء السياسي واستغلال كافة ثغرات النظام الحزبي، وبين تراكم الأدلة والتسريبات المضادة التي تجرد نتنياهو من إرثه الأمني والسياسي، تبدو الخارطة السياسية مقبلة على لحظة فارقة. إن ما يشهده السجال الراهن ليس مجرد حملة انتخابية عابرة، بل هو المخاض الأخير لسردية قيادية استمرت لعقود، وباتت اليوم تواجه اختبار البقاء الحقيقي أمام صناديق الاقتراع ولجان التحقيق المرتقبة.
تُظهر مجريات الصراع الراهن أن نتنياهو يستنزف آخر أوراقه في مواجهة كتلة متزايدة ترى فيه عبئاً أمنياً وسياسياً. وسواء نجح في الالتفاف على هذه العاصفة أو تعثر أمام صناديق الاقتراع، فإن المعركة الحالية تؤكد أن معادلة الحكم في إسرائيل دخلت مرحلة التغيير الجذرية التي لن تعود معها الأمور إلى ما كانت عليه.
المصدر : وكالة سوا
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية
