بعد مرور قرابة الثلاث سنوات من حرب الإبادة التي تشنها قوات الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة ، لا تقاس آثار الكارثة الصحية بعدد القتلى والجرحى أو بعدد المنشآت الطبية التي خرجت عن الخدمة فقط. فهناك جبهة أخرى أقل ظهوراً في الصور والأرقام: الصحة النفسية لمجتمع يعيش منذ سنوات تحت الخوف والفقد والنزوح وانعدام الأمان والضغط الاقتصادي والاجتماعي المتواصل.

وهذه ليست أزمة نفسية عابرة مرتبطة بلحظة القصف؛ إنها حالة ضغط مزمن تتجدد كل يوم، وتطال الطفل والطالب والأم والأب والعامل والعاطل عن العمل والنازح ومن فقد منزله أو عمله أو أحد أفراد أسرته، وغيرهم من شرائح المجتمع الفلسطيني في غزة.

وتضع منظمة الصحة العالمية حجم الاحتياج في هذا الإطار في سياق بالغ الخطورة؛ فقد قدّرت في تحليل للوضع الصحي أن نحو (1.2 مليون) طفل في غزة يحتاجون إلى خدمات الصحة النفسية والدعم النفسي الاجتماعي. كما تؤكد المنظمة أن الصحة النفسية في القطاع كانت أصلاً متأثرة قبل الحرب بسبب سنوات الحصار وتكرار جولات العنف، قبل أن تتفاقم بصورة حادة مع استمرار القتل والنزوح وفقدان الأحبة ومصادر الرزق والشعور بالأمان.

الأرقام لا تعكس حجم المرض

تكشف بيانات الاستجابة الإنسانية حجم الفجوة بين الحاجة والقدرة على الوصول؛ فبين 15 و21 يونيو/ حزيران 2026، قدمت جهات الحماية في محافظات شمال غزة وغزة ودير البلح وخانيونس خدمات الصحة النفسية والدعم النفسي والاجتماعي والإسعاف النفسي الأولي والإرشاد الفردي والجماعي إلى (12,169) شخصاً. وفي الفترة نفسها، وصلت تدخلات الصحة النفسية والدعم النفسي والاجتماعي المنظمة إلى (13,029) طفلاً و (3,725) من مقدمي الرعاية، من خلال الإرشاد والإسعاف النفسي والعلاج باللعب والأنشطة الجماعية وبرامج التربية الإيجابية والإرشاد الفردي.

وفي أحدث تقرير إنساني متاح في أغسطس/ آب 2026، أفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية بأن الشركاء قدموا خلال أسبوع واحد فقط خدمات دعم نفسي واجتماعي إلى نحو (12,300) شخص، شملت الإسعاف النفسي الأولي والإرشاد الفردي والجماعي والتدخلات المجتمعية المنظمة. كما تلقى (8,700) طفل و (3,000) من مقدمي الرعاية خدمات نفسية واجتماعية منظمة خلال الفترة نفسها.

لكن هذه الأرقام لا تعني أن 12 أو 13 ألفاً هم كل المرضى النفسيين، بل إنها أعداد المستفيدين من برامج محددة خلال فترات محددة، بينما حجم الاحتياج أوسع بكثير.

وهنا تكمن المشكلة المنهجية: ليس كل من يعاني القلق أو الحزن أو اضطراب النوم؛ مصاباً باضطراب نفسي بالمعنى الطبي، حيث أن تشخيص الاكتئاب أو اضطراب ما بعد الصدمة أو اضطرابات القلق يحتاج إلى تقييم مهني ومعايير سريرية، أما الخوف المستمر، والحزن، والتوتر، والأرق، وسرعة الانفعال، وضعف التركيز؛ فقد تكون استجابات إنسانية متوقعة عندما يعيش الإنسان في ظروف استثنائية.

ماذا يحدث للإنسان تحت الضغط النفسي المستمر؟

الطب النفسي لا ينظر إلى الصدمة باعتبارها مجرد لحظة خوف، عندما يستمر التهديد لا يحصل الوضع النفسي والجسدي على فرصة كافية للعودة إلى حالة الاستقرار،

ولهذا يمكن أن تظهر لدى بعض الأشخاص أعراض مثل: اليقظة المفرطة، اضطراب النوم، سرعة الغضب، صعوبة التركيز، القلق المستمر، الشعور بالعجز، الانسحاب الاجتماعي,,، أو فقدان الاهتمام. وفي الحالات التي تستمر فيها الأعراض أو تصبح شديدة وتؤثر في الوظائف اليومية، يمكن أن تتطور إلى اضطرابات تحتاج إلى تقييم وعناية متخصصة.

وتشير مراجعات علمية منشورة عبر منظمة الصحة العالمية إلى ارتفاع معدلات اضطراب ما بعد الصدمة والاكتئاب والقلق واضطرابات الضغط الحاد بين الأطفال والبالغين وكبار السن في قطاع غزة، مع ارتباط شدة الأعراض بمستويات التعرض للعنف والفقد والنزوح.

كما وجدت دراسة منشورة في المجلة الصحية لمنظمة الصحة العالمية حول النازحين داخلياً في قطاع غزة أن مستويات التوتر والمعاناة والمشكلات النفسية خلال الحرب الحالية كانت مرتفعة بصورة شديدة، وأن مستوى المشكلات النفسية ازداد مقارنة بما رصد في دراسات سابقة خلال حروب أو أزمات سابقة.

الضغط اليومي يغيّر السلوك

ربما يكون هذا الجانب الأقل ظهوراً في الإحصاءات، حيث أن سكان غزة لا يعيشون فقط مع ذكرى ما حدث؛ بل مع سؤال يتكرر كل صباح: ماذا سيحدث اليوم؟

الأب الذي لا يعرف إن كان سيتمكن من توفير الطعام أو المياه لأسرته، أو الذي انقطع راتبه وفقد عمله، لا يعيش أزمة مالية فحسب. إنه يعيش ضغط المسؤولية والعجز وعدم القدرة على التخطيط.

والطالب الذي لا يعرف متى يستقر تعليمه، أو أين ستكون دراسته، أو ماذا سيحدث لمستقبله الأكاديمي، يعيش حالة أخرى من القلق المستقبلي.

ومن فقد والداً أو ابناً أو أخاً أو عزيزاً لا يواجه الحزن وحده، بل قد يجد نفسه مضطراً إلى تحمل مسؤوليات جديدة، بينما لا تزال الصدمة حاضرة.

والأم التي تحمل مسؤولية أطفالها في النزوح لا تستطيع دائماً منح نفسها فرصة للحزن أو الانهيار؛ لأن عليها أن تصمد وتستمر في رعاية من حولها.

لهذا قد تبدو بعض السلوكيات اليومية أكثر حدة مما كانت عليه قبل الحرب، مثل: العصبية السريعة، التوتر في التعامل، الحساسية تجاه الأصوات، صعوبة النوم، الانشغال المفرط بالأخبار، التوتر عند فقدان الاتصال بأحد أفراد الأسرة، ضعف التركيز، والخوف المستمر من المستقبل.

ولا يصح طبياً وصف كل هذه السلوكيات بأنها أمراض نفسية؛ لكنها يمكن أن تكون انعكاساً لضغط نفسي مزمن يفوق قدرة الإنسان الطبيعية على الاحتمال.

رب الأسرة وضغوط لا تظهر في كشف الحساب

من أكثر الفئات تعرضاً للضغوط النفسية المتراكمة؛ أرباب الأسر. حيث أن فقدان الدخل في مجتمع يعيش حرباً وحصاراً ونقصاً حاداً في فرص العمل يعني أكثر من انخفاض القدرة الشرائية لدى الأسرة. إنه يعني فقدان جزء من الإحساس بالقدرة على حماية الأسرة والتخطيط لمستقبلها.

ويزداد الضغط عندما تتراكم المسؤوليات: الطعام، السكن، التنقل، احتياجات الأطفال، التعليم، المرض، فقدان الممتلكات، ومحاولة الحفاظ على الحد الأدنى من الحياة الطبيعية.

ومن منظور نفسي، فإن استمرار المشكلة دون أفق زمني واضح يختلف جذرياً عن أزمة مؤقتة؛ لأن الإنسان لا يستطيع تحديد موعد انتهائها ولا بناء خطة واضحة للتعامل معها.

الطلبة والقلق على المستقبل

أما الطلبة، فيعيشون ضغطاً مختلفاً: مستقبل مؤجل في بيئة غير مستقرة. فالطالب الذي فقد عاماً أو أكثر من حياته التعليمية لا يفقد ساعات الدراسة فقط؛ بل قد يشعر بأن الزمن الأكاديمي والاجتماعي يتحرك من دونه.

وهذا النوع من القلق يمكن أن ينعكس في ضعف التركيز والدافعية، اضطراب النوم، التشاؤم بشأن المستقبل، والشعور بأن الجهد الحالي قد لا يقود إلى النتيجة التي كان يخطط لها.

وهنا تتقاطع الصحة النفسية مع الحق في التعليم والعمل والدخل والأمان؛ فالضغط النفسي لا يأتي من عامل واحد، بل من منظومة كاملة من عدم الاستقرار.

الفقد وعندما لا يجد الحزن وقته

الفقد الجماعي في غزة يضع الإنسان أمام مفارقة قاسية؛ هو يحتاج إلى الحزن، لكنه مضطر إلى الاستمرار في الحياة. في الظروف الطبيعية، يحتاج الإنسان بعد وفاة شخص عزيز إلى وقت ومساحة اجتماعية ونفسية لاستيعاب الفقد. أما عندما يتزامن الموت مع النزوح أو فقدان المنزل أو انقطاع الدخل أو استمرار الخطر، فقد يجد الإنسان نفسه مضطراً إلى تأجيل حزنه.

وهذا لا يعني أن جميع من فقدوا أحباءهم سيصابون باضطراب نفسي، لكنه يعني أن ظروف الحداد نفسها أصبحت أكثر تعقيداً.

وتشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن أكثر من (58000)طفل في غزة فقدوا أحد والديهم أو كليهما وفق بيانات اليونيسف التي أوردها مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية. وهذا الرقم يوضح أن الحديث عن الصحة النفسية ليس حديثاً عن حالات فردية متناثرة، بل عن أثر اجتماعي يمتد إلى أجيال.

هل أصبح سكان غزة أكثر قدرة على تحمل الصدمات؟

يجب الحذر من تفسير الصمود بطريقة خاطئة. نعم، هناك قدرة لافتة لدى سكان غزة على الاستمرار: العمل رغم الخوف، رعاية الأطفال رغم الفقد، الدراسة في ظروف صعبة، مساعدة الآخرين، وإعادة تنظيم الحياة بعد كل موجة من الاضطراب. لكن الصمود لا يعني عدم الإصابة النفسية. فقد يكون الإنسان قادراً على الذهاب إلى عمله، ورعاية أطفاله، والتحدث مع الآخرين، والضحك أحياناً، بينما يحمل في داخله خوفاً أو حزناً أو إرهاقاً شديداً.

ومن منظور علم النفس، يمكن فهم ذلك ضمن مفهوم المرونة أو الصمود النفسي؛ أي قدرة الإنسان والمجتمع على التكيف مع الظروف القاسية والاستمرار في أداء الوظائف الأساسية.

وفي غزة، تساعد الأسرة الممتدة وشبكات الجيران والتضامن المجتمعي والهوية والانتماء الديني والثقافي والشعور بالمسؤولية تجاه الآخرين على توفير عناصر الحماية النفسية.

لكن تحويل هذا الصمود إلى قدرة خارقة على تحمل الألم، قد يكون خطيراً؛ لأنه قد يخفي الحاجة إلى الدعم ويجعل المعاناة غير المرئية تبدو وكأنها غير موجودة.

الصحة النفسية حق وليست ترف

يتوجب التعامل مع الأزمة النفسية في قطاع غزة كقضية حقوقية بقدر ما هي قضية طبية. فالحق في الصحة، وفق العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، لا يقتصر على العلاج الجسدي، بل يشمل أعلى مستوى يمكن بلوغه من الصحة البدنية والعقلية.

كما أن الحق في الصحة يرتبط بعناصر أساسية مثل التوافر وإمكانية الوصول والمقبولية والجودة، ولا ينفصل عن حقوق أخرى، بينها الغذاء والسكن والتعليم والعمل.

وفي حالات الطوارئ والنزاعات المسلحة، تؤكد مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان أن الأزمات تعطل الوصول إلى خدمات الصحة والصحة النفسية والأدوية وغيرها من الخدمات الأساسية، ما يجعل حماية الحق في الصحة أكثر إلحاحاً لا أقل.

وعليه، فإن السؤال لا ينبغي أن يكون فقط: كم شخصاً حصل على جلسة دعم نفسي؟ بل: هل يستطيع الإنسان الوصول إلى الخدمة؟ هل توجد كوادر متخصصة؟ هل الخدمة مستمرة؟ هل توجد إحالات للحالات الأشد؟ وهل يستطيع الشخص أن يعيش في بيئة تساعده أصلاً على التعافي؟

فلا يمكن فصل الصحة النفسية عن ظروف الحياة التي أنتجت الأزمة النفسية نفسها.

ما بعد النجاة

أخطر ما في الأزمة النفسية أنها قد تستمر حتى بعد توقف الخطر المباشر. فقد يتوقف القصف، لكن فقدان الأحبة لا يتوقف. وقد ينتهي النزوح، لكن ذكرياته لا تختفي فوراً. وقد تعود المدارس والجامعات، لكن السنوات الضائعة ستظل حاضرة. وقد يستأنف الأب عمله، لكن آثار الفقر والحرمان والخوف قد تحتاج زمناً أطول كي تتراجع.

ولهذا فإن الصحة النفسية في غزة ليست ملفاً ثانوياً يؤجل إلى مرحلة ما بعد الحرب؛ إنها جزء من حقوق الإنسان في الحياة الكريمة.

لقد أظهر سكان القطاع قدرة استثنائية على البقاء، لكن المطلوب ألا يتحول هذا الصمود إلى ذريعة لتركهم يتحملون وحدهم. فالمجتمع الذي اضطر إلى تطوير مهارات يومية للنجاة من الخوف والفقد والنزوح والفقر يحتاج- بقدر حاجته إلى إعادة بناء البيوت والمدارس- إلى إعادة بناء الإحساس بالأمان والثقة بالمستقبل والقدرة على الحياة الطبيعية.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى:

قد يكون سكان قطاع غزة قد نجحوا في تعلم كيف يبقون واقفين، لكن حقوقهم تقتضي أن يتمكنوا من أن يعيشوا دون أن يكون الوقوف في وجه الصدمة؛ وظيفة يومية.

المصدر : وكالة سوا

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد