تتضاعف مآسي مجتمعنا الفلسطيني حين تجتمع عليه قسوة الظروف الخارجية المتمثلة بتداعيات الحرب القاهرة، مع آفة الفوضى والعنف الداخلي، وإن ما يشهده قطاع غزة اليوم من تصاعد لظاهرة النزاعات العشائرية، والاقتتال العائلي، والتهديد بالسلاح والاعتداء بالأيدي والأدوات الحادة، يشكل خطراً يهدد النسيج المجتمعي والصمود الوطني وثبات الجبهة الداخلية في لحظة فارقة تتطلب منا جميعاً أعلى درجات الحذر، والتكافل، والتضامن، والتعاون لتخطي هذه المرحلة بصعوبتها وتحدياتها الجسام.


وتُعرّف هذه الظاهرة المعقدة في واقعنا الراهن بأنها سلوك عدواني مجتمعي يتجلى في استخدام القوة المادية والمسلحة، أو التهديد بها، لحل الخلافات الفردية والعائلية خارج إطار القانون والأعراف الأخلاقية، وتتغذى هذه المظاهر على بيئة هشة ناتجة عن استمرار تداعيات الحرب، والانتشار السرطاني للسلاح الداخلي، والفراغ الأمني والإداري الناجم عن غياب المؤسسات التنفيذية، فضلاً عن الضغوط النفسية والاقتصادية الهائلة والنقص الحاد في الموارد المعيشية التي تضغط على الجميع بلا استثناء، وما نلاحظه بحرقة أن شرارة المشاكل تبدأ بقضايا بسيطة، أصلها مرتبط بتعبئة المياه، وسيارة السقيا، وطوابير المساعدات، والتي راح ضحيتها العشرات منذ بداية الحرب بسبب احتكاكات كان يمكن تفاديها.


وعند التمعن في جذور هذه المشاكل، نجد أنها تبدأ بخلافات بسيطة وتفاهات فردية طارئة، سواء على موارد محدودة، أو مشادات كلامية، أو مشاجرات بين الأطفال والشباب، لكنها سرعان ما تشتعل وتتسع لتتحول إلى نزاعات عشائرية مسلحة بسبب غياب ضوابط ضبط النفس، والتجييش العاطفي العائلي، وحالة الاحتقان المتراكمة لدى الأفراد، إضافة إلى التحريض الرقمي وتداول الفيديوهات والشائعات عبر وسائل التواصل الاجتماعي التي تصب الزيت على النار، ومن هنا، فإن خطورة هذه الظاهرة لا تقتصر على إزهاق الأرواح والاعتداء على الأبرياء فحسب، بل تمتد لتضرب عمق التضامن الاجتماعي وتحرف مفهوم المصير المشترك، مما يحول المجتمع إلى بيئة تُحتكم فيها القوة لا العقل، وهو ما يجعل تسليط الضوء على هذه الظاهرة ونبذها علناً ضرورة حتمية لحماية الجبهة الداخلية ومنع انهيار التماسك المجتمعي.


إن معالجة العنف بكل أنواعه تتطلب بالضرورة الاحتكام إلى لغة العقل والمنطق، والانتقال الفوري من ردود الفعل العفوية إلى العمل المؤسسي والمجتمعي المنظم عبر معالجة جذور المشكلة لا أعراضها فحسب، ويبدأ ذلك بتنظيم إدارة الموارد اليومية والخدمات في المخيمات والأحياء لمنع بيئة الاحتكاك من الأساس، بتطبيق آليات التوزيع العادل والتنظيم الميداني لطوابير المياه والمساعدات بواسطة لجان حارة مصغرة تسلم التوزيع منازلياً كلما أمكن ، كما يتطلب الأمر العمل الجاد على توعية المجتمع بمهارات إدارة الغضب ونشر ثقافة الانسحاب الآمن لحظة الاحتداد، مع غرس قناعة راسخة لدى الكبار والصغار بأن التنازل والتسامح في هذه الظروف القاسية هو قمة الشجاعة والمسؤولية وليس ضعفاً، كذلك ينبغي التركيز بشكل خاص على فئة الشباب والمراهقين بصفتهم الأكثر عرضة للضغوط، عبر إشراكهم في لجان السلم والتنظيم الأهلي وتحويل طاقتهم إلى مسؤولية بناءة، بالتوازي مع ضبط الخطاب الرقمي وتجريم الشائعات الإلكترونية الداعية للفتنة العائلية.


ويجب أن يرافق ذلك موقف أخلاقي وعشائري صارم يركز على تجريم وسيلة الاعتداء ونبذ أدواته، عبر حظر استخدام أي نوع من الأسلحة النارية أو الأدوات الحادة أو العصي أثناء الشجارات، واعتبار مجرد إشهار الأداة أو التهديد بها جريمة مكتملة الأركان تتوجب العقاب والمقاطعة المجتمعية، ويضاف إلى ذلك أهمية بناء نظام طوارئ أهلي يعتمد على فرق التدخل السريع من وجهاء وأهالي الحي لإطفاء الحرائق المجتمعية في مهدها قبل أن تتسع شرارتها؛ فالمبادرات الشبابية للسلم الأهلي يجب أن تكون حاضرة في كل الأحياء ومخيمات النزوح، بجهود الأخصائيين ورجال العرف والإصلاح والشباب الخلوق لحفظ المجتمع وخلق حالة من التوازن في ظل غياب المرجعيات الإدارية والتنفيذية.


ولضمان نجاح هذه الرؤية على الأرض، تصبح الحاجة ماسة لبناء حراك مجتمعي شامل يقوده تحالف ثلاثي يتكامل فيه رجال الإصلاح والوجهاء بما يملكونه من ثقل عشائري وسلطة عرفية لإلزام العائلات وفرض الصلح، مع رجال الدين والنخب الفكرية الذين يتولون التأصيل الشرعي والأخلاقي لحرمة الدم والتسامح، جنباً إلى جنب مع نشطاء المجتمع المدني والشباب والأخصائيين الاجتماعيين والنفسيين الذين يمتلكون طاقة المبادرة والتنظيم، وإن هذا التكاتف هو المحرك الفعلي لصياغة ميثاق شرف اجتماعي وطني يترجم إلى وثيقة التزام عائلية إجرائية ترفع الغطاء العشائري والإنساني والمادي عن أي متورط في السلاح الداخلي، بما يشمل امتناع العائلة عن دفع الديّة أو التكفل بالنفقات القانونية للمعتدي واعتباره خارجاً عن الإجماع الوطني والأخلاقي؛ مع التأكيد الجازم على أن هذا التدخل الأهلي والعرفي هو إجراء طارئ ومؤقت لسد الفراغ الحالي، ولا يغني أو يحل بدلاً عن سيادة القانون ومؤسسات الدولة مستقبلاً.


إن تكرار مشاهد القتل والاعتداء في مجتمعٍ ما زال يدفع فاتورة الوطن من دمه وحريته، يفرض علينا جرس إنذارٍ لا يحتمل الصمت، وإذا كانت بعض أزماتنا الخارجية تتجاوز قدرتنا المباشرة، فإن حماية جبهتنا الداخلية أزمة نملك مفاتيح علاجها بأيدينا؛ إذ لا يعقل أن ننشد الكرامة والحرية بينما نغرق في نزاعات جانبية نزف فيها دماء أبنائنا مجاناً.


أخيراً، إن تحصين المجتمع الفلسطيني في هذه الظروف الاستثنائية ليس مسؤولية جهة بعينها، بل هو واجب وطني وأخلاقي يقع على عاتق كل فرد وعائلة ومؤسسة، وإن تمسكنا بلغة العقل وسعة الصدر هو حصننا الأخير، فلنرفع جميعاً شعار لا للعنف، ولنجعل من التسامح والحوار منهج حياة، ليكون حاضرنا نموذجاً للصمود، ولنحمي وجودنا وكرامتنا لنواجه التحديات الأكبر بصف واحد ومتماسك.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد