في منتصف شهر أيلول/سبتمبر 2024، حين كانت العمارات تتهاوى، والأشجار تُقتلع من جذورها، والدبابات تجوب بعض شوارع مدينة غزة ، وكانت الجرافات تلتهم الضحايا وتخلط أشلاءهم بركام البيوت المدمرة والسيارات المحترقة بفعل حرب الإبادة التي شنها الاحتلال على قطاع غزة ، اختلست، رغم الخطر، لحظات مرعبة للتسلل إلى بقايا البيت الذي ما زال يحتفظ، رغم كل شيء، بشيء من رائحتنا وذاكرتنا في جنوب غرب تل الهوى.
لم أذهب يومها بحثاً عن شيء من أثاث البيت أو مقتنياته. ذهبت إلى غرفة المكتب، أو ما تبقى منها، أبحث بين رفوف مكتبتي المتطايرة عن بعض الكتب والروايات؛ كتب أستعيد بها شيئاً من توازني، وأعيد بها تغذية الدماغ قبل أن ينفجر تحت وطأة ما نرى ونعيش.
كانت الكتب مكسوة بالغبار والتراب، يعلوها الزجاج المتناثر والشظايا، وتمزقت صفحات بعضها بفعل الرصاص والقصف والتدمير الرهيب. وبين تلك الكنوز التي نجت بأعجوبة، وجدت كتاباً بقي شامخاً للشاعر الكبير سميح القاسم، بعنوان «إنها مجرد منفضة».
كان الكتاب يحمل إهداءً بخط سميح، أهداني إياه بعد صدوره خلال لقائنا في المغرب عام 2011، في مؤتمر لدعم قضية الأسرى. نفضت عنه الغبار، وضعته بين أضلعي، وحملته معي، إلى جانب بعض المعلبات التي كانت تعيننا على البقاء في زمن المجاعة والحصار.
لم يكن الكتاب يومها مجرد كتاب. كان أشبه برسالة نجت من القصف، ووصلتني في اللحظة التي كنت أكثر ما أحتاج فيها إلى صوت سميح.
جلست، وسط الخراب، أقلب صفحاته. وراحت كلماته تأخذني بعيداً عن هدير الطائرات والدبابات، إلى زمن آخر، وإلى جيل من العظماء الذين حملوا فلسطين في الشعر والكلمة والموقف، وظلوا متمسكين بها حتى النهاية.
ومن بين السطور، استوقفتني عبارته عن أولئك الذين آمنوا بأن الموت في الوطن أفضل من الحياة في الغربة. تذكرت جده حسين القاسم، الذي قالها ومات في الرامة الجليلية، وتذكرت سميحاً نفسه، الذي ظل حتى رحيله في التاسع عشر من آب/أغسطس 2014، متمسكاً بالأرض والوطن والهوية، رافعاً صوته في وجه النفي والاقتلاع.
وفي لحظات الخطر ومعانقة الموت، كانت تحضر كلمات سميح:
«أنا لا أحبك يا موت.. لكنني لا أخافك.. وأعلم أن سريرك جسمي، وروحي لحافك.. وأعلم أني تضيق عليّ ضفافك».
اليوم، وبعد اثني عشر عاماً على رحيله، تبدو كلمات سميح أكثر حضوراً من أي وقت مضى.
لم يكن سميح القاسم شاعراً يكتب فلسطين من خارجها، بل كان واحداً من الذين جعلوا من البقاء فيها فعلاً من أفعال المقاومة، ومن اللغة وطناً، ومن القصيدة سلاحاً في مواجهة الاقتلاع والنسيان.
وحين كتب:
«مرفوع القامة أمشي»
لم يكن يعرف، ربما، كم ستحتاج فلسطين إلى هذه العبارة بعد رحيله.
فها هو الشعب الفلسطيني، رغم كل ما أصابه، ورغم حرب الإبادة والدمار والاقتلاع والموت، ما زال يحاول أن يمشي.
قد تنحني الظهور تحت ثقل الركام، وقد تثقل الخطى تحت وطأة الجوع والفقد والنزوح، لكن الروح الفلسطينية لم تنحنِ.
رحل سميح القاسم في التاسع عشر من آب/أغسطس 2014، وترك خلفه قصيدةً وشعباً يعرفان كيف يمشيان في الطريق الصعب.
وفي ذكرى رحيله، أتذكر ذلك الكتاب الذي عثرت عليه شامخاً في ركام مكتبتي، وبقي صامداً رغم ما أصابه من ضرر بالغ في تل الهوى. وأتذكر يده وهي تمتد به إليّ في المغرب قبل خمسة عشر عاماً.
كان سميح قد رحل، لكن كتابه بقي.
وبقيت كلماته.
وبقي الوطن.
وبقي شعبه، رغم كل شيء، يمشي.
سلاماً لسميح القاسم في ذكرى رحيله.
وسلاماً لكل الذين رحلوا وهم يعرفون أن الوطن، مهما اشتد الألم فيه، لا يُستبدل بالغربة.
لغزة التي ما زالت، وسط الركام، تبحث عن طريقها كي تمشي… منتصبة القامة.
المصدر : وكالة سوا
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية
