تقرير: أزمة الدواء في قطاع غزة: المرضى بين الحياة والموت
في ظل الظروف القاسية التي يعيشها سكان قطاع غزة ، تزداد أزمة الدواء لتصبح تحديًا يوميًا يهدد حياة المرضى. النقص الحاد في الأدوية الأساسية والمستلزمات الطبية جعل آلاف المرضى، خصوصًا أصحاب الأمراض المزمنة مثل السرطان و الضغط والسكري، يواجهون خطرًا حقيقيًا يهدد استقرارهم الصحي.
هذه الأزمة ليست مجرد مشكلة صحية، وإنما نتيجة مباشرة للحصار المفروض، ضعف الموارد، وتعثر وصول المساعدات. إن معاناة المرضى المستمرة تكشف عن واقع إنساني بالغ الصعوبة يستدعي تحركًا عاجلًا لإيجاد حلول عملية تضمن الحق في العلاج والدواء كأبسط حقوق الإنسان.
في ظل نقص الإمدادات الطبية في غزة، تعيش "أحلام أبو الجبين" معاناة يومية مضاعفة بسبب إصابتها بمرض الضغط والسكري. أوضحت أن غياب الأدوية وعدم الانتظام في تناولها
أثر بشكل سلبي على صحتها، مشيرة إلى أن مرض السكري إذا لم تتناول جرعات الإنسولين قد يسبب لها غيبوبة، بينما الضغط يؤدي إلى أعراض جانبية كثيرة مثل الدوخة والغثيان وتورم القدمين وانتفاخ العينين، وإذا استمر الانقطاع قد يقود إلى جلطة.
أضافت أن غياب العلاج جعلها تواجه مضاعفات خطيرة؛ ارتفاع السكر عند تناول النشويات من دون دواء قد يؤدي إلى اعتلال بصري، بينما محاولة تقليل الطعام لتفادي ارتفاع السكر تسبب لها هبوطًا وإرهاقًا شديدًا. أما الضغط، فانقطاع الدواء جعلها غير قادرة على القيام بأبسط واجباتها اليومية بسبب الهزل والكسل المستمر.

أكدت أن أغلب أدوية السكري والضغط مثل الإنسولين، Coversyl، وValzadopine أصبحت شبه مفقودة، وأن بعض البدائل التي جربتها لم تكن فعّالة، بل سببت أعراضًا جانبية مثل انتفاخ القدمين الذي جعلها عاجزة عن المشي.
بيّنت أنه في بداية الحرب كانت الأونروا توفر الأدوية، لكن مع مرور الوقت بدأ الشحّ الكبير. اليوم، تحاول الحصول على العلاج من مؤسسات مثل كاريتاس، الإغاثة الطبية، وبنك الدم، لكنها لا تستطيع تأمين كل الأدوية في وقت واحد. حتى الصيدليات الخاصة، إن توفرت فيها الأدوية، تكون أسعارها باهظة؛ فشريط دواء السكري الذي يكفي أسبوعًا واحدًا يكلف 40 شيكل، أي نحو 160 شيكل شهريًا لدواء واحد فقط.
شدّدت على أن غياب الأدوية انعكس على حياتها اليومية بشكل قاسٍ؛ جسدها أصبح هزيلًا، تعاني من الغثيان المستمر، وتضطر للتنقل بشكل شبه يومي إلى المؤسسات الطبية بحثًا عن علاج، وهو مجهود إضافي يرهقها أكثر. وأوضحت أنها أحيانًا تضطر لتخفيف جرعات الدواء حتى تكفي فترة أطول، وهذا يزيد من القلق النفسي والضغط اليومي.
وفي رسالتها للعالم، طالبت بضرورة السماح بدخول الأدوية بالكميات المناسبة والتأكد من وصولها للمرضى الذين يحتاجونها فعلًا، مشيرة إلى أن شاحنات الأدوية كثيرًا ما تتأخر على المعابر، وعندما تصل تكون منتهية الصلاحية، مما يعني أن العلاج لا يصل بشكل فعلي للقطاع. كما أكّدت أنها لم تتلقَ أي دعم مباشر، بل كانت هي من تسعى يوميًا بين المؤسسات والنقاط الطبية بحثًا عن علاجها.

أكدت الصيدلانية "مريم اللبان" أن الكميات التي تصل إلى الصيدليات غير كافية إطلاقًا. تقول: "أحيانًا نطلب كمية من المستودعات أو الشركات، لكن ما يرسلو إلا بضع علب من الصنف المطلوب لأنه غير متوفر وصعب توفيره، وهناك قيود على الأدوية نفسها."
توضح مريم أن أبرز العقبات أمام وصول الأدوية هي المعابر التي تُغلق بشكل متكرر، إضافة إلى القيود المفروضة على بعض الأصناف العلاجية. حتى عند وصول الأدوية، تواجه الصيدليات مشاكل في التخزين بسبب انقطاع الكهرباء المستمر، وهو ما يؤثر على الأدوية الحساسة مثل هرمونات يجب أن تحفظ في الثلاجات، وإلا تقل فعاليتها.
أما عن دور المنظمات الدولية، فتشير مريم إلى أن الدعم يأتي بشكل متقطع: "مرة أدوية تركية، مرة مصرية، وأحيانًا أجنبية، لكن نسبة التغطية لا تتجاوز 50%." وتضيف أن بعض المساعدات تصل عبر مؤسسات مثل الهلال الأحمر، لكنها لا تكفي لسد العجز الكبير.
تقديراتها تشير إلى أن نحو 60% من المرضى يتأثرون بشكل مباشر بهذا النقص، خاصة مرضى الأمراض النفسية والصرع والغدة، حيث هذه الأدوية إما غير متوفرة أو تصل منتهية الصلاحية. وتقدر نسبة العجز العام في الأدوية بين 40–50% مقارنة بالاحتياجات اليومية، مع وجود بدائل لكنها ليست بنفس كفاءة الدواء الأصلي.
تقول مريم: "اليوم جاءني مريض يريد علاج الضغط بعيار محدد، لكن للأسف غير موجود. اضطررت أن أطلب منه أن يبحث في أكثر من صيدلية لعلّه يجد." وتوضح أن من أبرز الصعوبات إقناع المرضى باستخدام نفس المادة الفعالة لكن باسم تجاري مختلف، لأن الأطباء يكتبون أسماء الأدوية القديمة، بينما المتوفر الآن بدائل من شركات آخرى.
وتختم شهادتها بأن المساعدات تصل أحيانًا في بداية الشهر، لكن بعد عشرة أيام فقط تنفد الكميات، ويُترك المرضى بلا علاج حتى وصول دفعة جديدة.
اوضحت الصيدلانية "ريما زقوت" أن الكميات التي تصل إلى الصيدليات لا تكفي إطلاقًا لتغطية احتياجات المرضى. تقول: "ما يتم إدخاله أو توفيره من أدوية لا يغطي الحد الأدنى من الاحتياج اليومي، ويكون غير منتظم ولا يواكب حجم الطلب المتزايد، ما يؤدي إلى استمرار النقص في معظم الأصناف الأساسية."
توضح ريما أن أبرز العقبات أمام وصول الأدوية هي المعابر التي تُغلق بشكل متكرر، إضافة إلى ضعف التمويل وصعوبة إدخال الشحنات الطبية. حتى عند وصول الأدوية، تواجه الصيدليات مشاكل في التخزين بسبب انقطاع الكهرباء المستمر، وهو ما يؤثر على الأدوية الحساسة مثل الإنسولين والهرمونات التي يجب أن تحفظ في الثلاجات، وإلا تتعرض للتلف وتفقد فعاليتها.
أما عن دور المنظمات الدولية، فتشير ريما إلى أن الدعم موجود لكنه محدود جدًا: "المساعدات لا تغطي حجم الاحتياج الكبير، وغالبًا تصل متأخرة. بعض الأدوية تصل قبل انتهاء صلاحيتها بشهر واحد فقط، فنضطر إلى إتلافها ونحن بأمس الحاجة إليها." وتضيف أن بعض المساعدات تصل عبر مؤسسات مثل الهلال الأحمر أو جهات أجنبية، لكنها لا تكفي لسد العجز الكبير.
تقديراتها تشير إلى أن عشرات الآلاف من المرضى، خصوصًا أصحاب الأمراض المزمنة، يتأثرون بشكل مباشر بهذا النقص. وتؤكد أن المخزون المتبقي محدود جدًا ويُستهلك بسرعة بسبب عدم انتظام التوريد، بينما تصل نسبة العجز في بعض الأصناف إلى نقص شبه كامل، ولا تغطي الإمدادات المتوفرة سوى جزء بسيط من الاحتياج اليومي.
توضح ريما أن أكثر الأدوية طلبًا وغير متوفرة هي أدوية الضغط، القلب، السكري، والغدة الدرقية، إضافة إلى المسكنات القوية والمضادات الحيوية، وفيتامينات الحوامل التي تكاد تكون منعدمة تمامًا. وفي بعض الحالات يتم توفير بدائل علاجية، لكنها محدودة جدًا وغالبًا ليست بنفس الفعالية أو الاستمرارية المطلوبة.
وتضيف: "النقص يؤثر بشكل مباشر وخطير على مرضى الأمراض المزمنة، حيث يؤدي إلى تدهور الحالة الصحية وغياب السيطرة على الأمراض مثل السكري والضغط والقلب، إضافة إلى مضاعفات محتملة نتيجة انقطاع العلاج لفترات طويلة." وتشير إلى أن التواصل مع المستودعات والنقاط الطبية موجود، لكنه غير مستقر بسبب عدم انتظام التوريد، وغالبًا يتم التعامل بشكل طارئ حسب ما هو متوفر.
وتختم ريما شهادتها بالقول إن من أبرز الصعوبات التي تواجه الصيادلة شرح سبب عدم توفر الأدوية للمرضى، والتعامل مع الضغط الكبير عليهم، بالإضافة إلى عدم القدرة على تلبية احتياجاتهم بشكل منتظم بسبب الكميات المحدودة جدًا. وتؤكد أن المساعدات الطبية تصل بشكل محدود جدًا وغير منتظم، وغالبًا لا تغطي الاحتياج الفعلي، كما أن التمويل المتوفر ضعيف ولا يوازي حجم الأزمة.
المرضى في قطاع غزة يواجهون مضاعفات خطيرة بسبب انقطاع العلاج، فيما الصيدليات تعجز عن تلبية الاحتياجات اليومية نتيجة إغلاق المعابر، ضعف التمويل، وانقطاع الكهرباء الذي يؤدي إلى تلف الأدوية الحساسة.
النقص لا يقتصر على أصناف محدودة، بل يمتد إلى أدوية أساسية للأمراض المزمنة مثل الضغط والسكري والقلب، إضافة إلى المضادات الحيوية والفيتامينات، ما يجعل عشرات الآلاف من المرضى في خطر يومي. المساعدات التي تصل تبقى محدودة وغير منتظمة، وغالبًا لا تغطي سوى جزء بسيط من الاحتياج الفعلي، بل إن بعضها يصل منتهي الصلاحية قبل أن يُستخدم.
هذه الأزمة لم تعد مجرد نقص في المخزون، بل تهديد مباشر لحياة الناس، ورسالة واضحة للعالم بضرورة التحرك العاجل لضمان دخول الأدوية بالكميات المناسبة، وتوفير آليات تخزين آمنة، والتأكد من وصول العلاج إلى من يحتاجه فعلًا. فكل يوم يمر بلا دواء يعني مزيدًا من الألم، ومزيدًا من الأرواح المهددة.
