انتهى مؤتمر «فتح» الثامن بما له وبما عليه، وفيما أثار المؤتمر الكثير من النقاش إلا أن ثمة حقيقة تظل الأهم ربما، المتمثلة في أن «فتح» تنجح في مواصلة حياتها التنظيمية وإعادة تجديد الثقة في مؤسساتها القيادية رغم كل الظروف. صحيح أنه يمكن للمرء أن يأخذ على المؤتمر عشرات الملاحظات النظامية والتنظيمية إلا أن عقده واستكمال انعقاده يشكلان رافعة مهمة في مسيرة الحركة. قد يأخذ البعض على «فتح» بعض التفاصيل وقد يتهم البعض قيادة «فتح» بأنها تعمل على توجيه بوصلة المؤتمر تجاه نتائج محددة وربما سلفاً لكن يظل أن «فتح» ما زالت تؤمن أن أي تغيير في قيادتها لا بد أن يتم عبر عملية ديمقراطية وإن كانت إجرائية بحتة. في نطاق هذا الفهم، فإن «فتح» لم تلتفت يوماً لكل النقد الذي يصوبه خصومها نحوها وواصلت عقد مؤتمراتها العامة علانية ودون مداولات سرية، أفرزت قيادات خليتها الأولى والثانية ضمن عملية ديمقراطية يتم الصراع فيها عبر صناديق الانتخاب. وفيما يمكن تفهم الكثير من الملاحظات الصحيحة حول هذه العملية لكونها شكلية ربما، لا تعكس حقيقة مواقف القاعدة الفتحاوية، إلا أن هذا الشكل الإجرائي على علته يبدو واحة من الديمقراطية مقارنة بتنظيمات لا نعرف من انتخابات أطرها إلا النتائج النهائية خاصة المتعلقة بالمسؤول الأول، وفقط المسؤول الأول ولا غير. في «فتح» الأمر مختلف.
في التنظيمات الأخرى، نحن لا نعرف ماذا يحدث، نسمع فجأة عن انتخابات انتهت باختيار فلان لموقع الأمين العام أو رئيس الحركة، وفي أحسن الأحوال نسمع عن تنافس، لا نعرف مدى صدقه، بين شخصيتين قياديتين ضمن تصفيات تشبه تصفيات دوري الأبطال لكرة القدم، فأنت لا تعرف ما الذي يحدث ولا كيف حدث ولا ضمن أي اتجاه، فقط تعرف أن فلانا والفلان الآخر يتنافسان في التصفيات وأن أحدهما سيفوز. لا شيء آخر عن مكونات وإجراءات العملية الانتخابية ولا عن الهياكل العليا مثل المكاتب السياسية أو مجالس الشورى أو اللجان المركزية. فلا شيء مهما وربما إن الإعلان عن الرجل الأول والتنافس على موقعه لا علاقة لهما باهتمام محلي بقدر رغبة الإقليم وتدخلاته. 
في «فتح»، يبدو الأمر مختلفاً بشكل كبير. فكل شيء يتعلق بمؤتمر «فتح» يبدو علنياً، ومكشوفاً للجميع من النقاش حول موعد انعقاد المؤتمر إلى تشكيل اللجنة التحضيرية وصولاً إلى تسمية أعضاء المؤتمر وتعدادهم نهاية بعملية الترشح والانتخاب. وفي كل مرحلة، يثور نقاش عاصف تشتبك فيه أطراف «فتح» ومكوناتها وجغرافيتها وتحالفاتها ويصل الأمر في كثير من الأحيان للشد والتوتر وربما تبادل الاتهامات، لكن في نهاية المطاف فإن التعقل الفتحاوي يسود الموقف ويظهر قانون «فتح» السحري غير المنصوص عليه في النظام والذي يعلي مصلحة «فتح» على مصالح أبنائها، ففي «فتح» لا شيء يعلو على «فتح». قانون المحبة الذي يجعل من الفتحاويين عالماً متكاتفاً متماسكاً في وجه أي خلاف أو اختلاف. 
«فتح» التي يعتب عليها الآخرون ترى مع ذلك أن أي تغيير في أطرها يجب أن يتم عبر عقد المؤتمرات العامة التي يأتي إليها ممثلو الحركة في كافة أماكن تواجد الشعب الفلسطيني. ومؤتمر «فتح» عادة ما يكون برلمانا فلسطينيا خاصا بـ»فتح» تجتمع فيه الجغرافيا مع الهياكل مع المهن والنقابات ويتجاور فيه الكهل الذي شارك في معركة الكرامة وحصار بيروت مع الشاب الذي ولد مع بدايات الانتفاضة الثانية والكاتب الشاب مع الصحافي المخضرم، والصبية التي تقود التظاهرات مع المرأة التي تركت صباها في معارك الثورة؛ في تناغم فتحاوي يعكس ليس قوة حضور «فتح» ولا اتساعها فقط بل الأهم عمق الفكرة الفتحاوية وأصالتها، إنها الفكرة التي جعلت من «فتح» تنظيم الفلسطينيين. 
لذلك، نجد كل هذا النقاش حول مؤتمر «فتح» من مدخلاته إلى مخرجاته. كل فلسطيني له رأي فيما جرى وفي نتائج المؤتمر وإذا ما كانت على مستوى المسؤولية الفتحاوية أم لا. ووفق هذا الوعي الفتحاوي تتم محاكمة من تصعدوا أو صعدوا إلى المواقع القيادية في الحركة. ومع ثقل التاريخ الفتحاوي والهالة والمكانة الكبيرة التي يتمتع بها جيل الآباء المؤسسين فإن المحاكمات تكون قاسية لكنها تنم عن حسن نية، فـ»فتح» تستحق وهي بحاجة لمن يكونون على قدر المسؤولية التاريخية الملقاة على عاتقها كحامية للمشروع الوطني.
وإذا كان الأمر كذلك فإن هذه الغيرة على «فتح» من أبنائها غيرة محمودة، والملاحظات الكثيرة حول المؤتمر ومخرجاته وطريقة إدارة التحالفات والكوتات التي لا يمكن لها أن تفرز الأفضل تنظيمياً يجب أخذها على محمل الجد لأن «فتح» تستحق أيضاً أن تلتفت لمستقبلها، فالتنظيم العريق لا يمكن أن يظل يعتاش على تاريخه لأن المخزون العظيم لـ»فتح» بحاجة لأن تتم حمايته بإجراءات لا تنفر الفتحاويين وتجعل منهم مجرد شهود عيان ليس إلا. في كل مرة يتم عقد المؤتمر العام لـ»فتح» يتنامى خوف أن يكون هذا المؤتمر الأخير. سمعت هذا الخوف خلال مشاركتي في المؤتمرات الثلاثة الأخيرة، فالفتحاويون يخافون على «فتح» خوفهم على انفسهم. وطالما ارتبطت «فتح» بمسار التحرير وبناء الدولة لم تنتفِ الحاجة لها. وهذا بدوره يضع على «فتح» مسؤولية مضاعفة بألا تفقد البوصلة وتحافظ على وضوح الرؤية وسلامة الطريق. 
سيتواصل النقاش حول المؤتمر ولكن تظل «فتح» قادرة في كل مرة على مواصلة حياتها التنظيمية وتعكس وعياً سياسياً واضحاً في اختيارها العملية الديمقراطية وسيلة للتغير القيادي. ومع ما يصاحب هذا من وهن وعلات فإن الأمر يتطلب حذرا واجبا في التعاطي مع أبناء الحركة وقادتها الميدانيين لأن التحالفات والكوتات تكون على حساب أصحاب الحق عادة. 

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد