ليست الانتخابات التنظيمية مجرد أوراق تُلقى في صناديق الاقتراع، ولا مجرد وجوه تتزاحم على الترشح للظفر بمقعد المجلس الثوري أو المركزي لحركة فتح، بل هي في جوهرها معركة العقل والعلاقات التنظيمية والمناطقية التي تُدير المشهد قبل أن تبدأ معركة الأصوات. وفي كل دورة انتخابية جديدة، يطفو سؤال قديم بثياب مختلفة: من الذي يصنع الهيئة الذهنية لإدارة الانتخابات؟ أهي المؤسسة الحكومية التنظيمية العُليا بما تملكه من قواعد وقوة وخبرة؟ أم الحركة بما تملكه من نفوذ وتنظيم وشبكات ولاء؟ أم أن الجغرافيا والعائلة والانتماء المناطقي والشخصي ما تزال اللاعب الأكثر قدرة على توجيه البوصلة؟

في الانتخابات الثامنة لحركة فتح، يبدو المشهد أكثر تعقيداً من أي وقت مضى. فالتنظيم لم يعد كما كان، والفتحاويون لم يعودوا يستجيبون للخطابات والوعودات ذاتها، كما أن المؤسسات الحكومية الرسمية -الحزب الحاكم- نفسها تعرضت خلال السنوات الماضية لتآكل حكومي وسياسي بطيء أصاب الثقة العامة. ولهذا فإن السؤال لم يعد متعلقاً بمن سيفوز فقط، بل بمن سيصوغ “العقل الانتخابي” أولاً والذي سيقود المزاج العام ويوجه القرار.

البيئة المؤسساتية الحركية تقول إن الانتخابات يجب أن تُدار بعقل الترشح المفتوح والحر؛ أي بعقل القانون التنظيمي، والنظام المعمول به لإدارة الانتخابات الحركية، هذا المنطق يرى أن نجاح أي عملية انتخابية يبدأ من مؤسسة قادرة على الوقوف على مسافة واحدة من الجميع الساحات التنظيمية الداخلية والخارجية، وأن الشرعية لا تُصنع بالحشد فقط، بل بثقة الجمهور في نزاهة الإجراءات وعدالة الفرص للمترشحين. لكن هذا التصور المثالي يصطدم بواقع فلسطيني معقد، حيث تتداخل السلطة بالتنظيم، والإدارة بالولاء، والخدمة العامة بالحسابات السياسية.

أما البيئة الحركية الواقعية، فهي تنظر إلى الانتخابات باعتبارها امتداداً لمعركة النفوذ والبقاء. هنا لا تكون الكفاءة وحدها معيار الاختيار، بل القدرة على الحشد، وضبط القواعد التنظيمية، وإدارة التحالفات، واحتواء الخصوم. الجمهور العام لا يسأل دائماً: من هو الأفضل أو الأقوى؟ بل يسأل غالباً: من هو الأقدر على حماية المشروع، ومن هو الأكثر التزاماً بالسقف السياسي والتنظيمي؟ ولهذا يصبح الولاء، أحياناً، أقوى من الخبرة، ويصبح الانتماء التنظيمي أكثر حضوراً من الكفاءة المهنية.

لكن المشهد لا يتوقف عند المؤسسة والحركة فقط؛ فهناك “الكوتة الجغرافية” التي ما تزال حاضرة بقوة في الوعي الجمعي. فالأسرى يريدون استحقاقاتهم، المتقاعدون العسكريون يبحثون عن التقدير، والشبيبة تريد إثبات قوتها الفتيّة، الساحات تريد ممثلها، والكفاءات التنظيمية تبحث عن صوتها، والأقاليم تريد حصتها الرمزية والمعنوية، ...إلخ. تواجد الحركة في ساحات أنهكتها الأزمات، تتحول الجغرافيا إلى شعور بالحماية، ويتحول التمثيل المناطقي إلى نوع من الطمأنينة النفسية أكثر من كونه خياراً سياسياً. ولهذا كثيراً ما تُبنى التحالفات لا على أساس البرامج الحركية المشتركة والمتشابهة، بل على أساس التوازنات الدقيقة بين الأحياء والعائلات والمناطق.

ثم يأتي سؤال الانتماء الوظيفي والتبعية الحكومية؛ ذلك الخيط غير المرئي الذي يتحرك بهدوء داخل كثير من الاستحقاقات. فالبعض يرى أن قُرب المرشح من السلطة أو الحكومة يمنحه قدرة أكبر على التحشيد والإنجاز والخدمة، بينما يخشى آخرون من أن يتحول هذا القرب إلى أداة هيمنة تُفرغ الانتخابات من معناها التعددي. وبين الرغبة في “القدرة على الفعل” والخوف من “احتكار النفوذ”، يبقى الناخب الفتحاوي حائراً بين الواقعية السياسية والحلم الديمقراطي.

اللافت في انتخابات المؤتمر الثامن أن المزاج الشعبي يبدو أكثر رغبةً واندفاعاً نحو الترشح للمؤتمر. الفتحاويون لم تعد تبهرهم الشعارات الكبيرة، بل يسألوا أسئلة بسيطة ومؤلمة: من يستطيع تحسين واقعنا التنظيمي؟ من يملك شجاعة قول الحقيقة؟ من سيمثلنا في المجلس الثوري والمركزي؟ وهذا التحول ربما يكون أخطر ما تواجهه القواعد التنظيمية في ظل هذه الظروف المعقدة، لأن المنتمون للحركة الذي فقدوا ثقتهم تدريجياً لا يمكن استعادته بالخطب وحدها، بل بالتمثيل القوي والمناسب في مراتب الحركة العلوية التي تصنع القرارات المصيرية.

إن الهيئة الذهنية التي تُدير الانتخابات الحالية للمؤتمر الثامن والمقررة نهاية الأسبوع الجاري لن تُصنع من محرك واحد. لن تكون مؤسساتية خالصة، ولا حركية خالصة، ولا جغرافية خالصة. إنها خليط معقد من المصالح، والهويات، والهواجس، والرغبات الشخصية، والتنظيمية، والمناطقية. لكن التحدي الحقيقي ليس فيمن يشكل الكوتة الأقوى كون المؤتمر ساحة انتخابية واحدة، بل في السؤال الأعمق: هل ما زالت الانتخابات أداة لبناء الحركة، أم تحولت فقط إلى وسيلة لإعادة توزيع النفوذ؟

ذلك هو السؤال الذي يطرق أبواب العقل والقلب معاً وليس للفتحاويين فحسب، بل للمواطن الفلسطيني، والذي ستجيب عنه الأيام لا الشعارات.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد