تقرير: غزة بدون كهرباء منذ نحو 31 شهرا.. كيف يتدبر الأهالي أمورهم؟

غزة بدون كهرباء منذ نحو 31 شهرا

في قطاع غزة ، انعدم التيار الكهربائي بشكل شبه دائم، تاركًا البيوت والشوارع غارقة في الظلام ومعاناة لا تنتهي. تتحول ساعات النهار والليل إلى معاناة يومية لأكثر من مليوني إنسان. الكهرباء، التي تُعد أبسط مقومات الحياة، باتت رفاهية نادرة لا تُمنح إلا مقابل المال، لتصبح الحاجة إليها عبئًا إضافيًا على كاهل الأسر التي تعيش ظروفًا اقتصادية قاسية.

هذا الواقع يفرض نفسه بقوة، ويكشف عن أزمة إنسانية متفاقمة تتجاوز حدود الانقطاع لتلامس تفاصيل الحياة اليومية من التعليم إلى الصحة، ومن العمل إلى تفاصيل العيش اليومي.

في غزة، لا وجود للكهرباء العامة منذ أشهر طويلة، وأي تيار يصل البيوت يكون عبر مولدات كهرباء خارجية مدفوعة الثمن. من لا يستطيع الدفع يبقى بلا كهرباء. هذا الواقع يرويه لنا صوت من الداخل، الشابة زينب الغنيمي، التي تصف كيف تعيش يومها وسط هذه الأزمة.

زينب تقول إن الكهرباء لا تصل إلا عبر اشتراك مدفوع بفترات محدودة وغير ثابتة، أربع ساعات صباحًا وست ساعات مساءً، وأحيانًا تنقطع كليًا لأيام بسبب الأعطال.

وأوضحت أن انقطاع الكهرباء يعني توقف ضخ المياه فورًا، ما يضطرهم للبقاء في البيت لشحن الهواتف أو انتظار عودة التيار، خاصة أن معظم التعاملات المالية أصبحت عبر تطبيقات تحتاج إلى شحن دائم.

وأضافت أنها تواجه أيضًا مشكلة في الإنترنت بسبب غياب الكهرباء، فعندما يكون لديها امتحان أو واجب جامعي قد تفقد القدرة على الدخول، وأحيانًا تضطر للذهاب إلى أقاربها لكنهم أيضًا بلا إنترنت، فتكون مضطرة للذهاب إلى مقهى يتوفر فيه اتصال، وهو ما يشكل صعوبة كبيرة خاصة مع المواصلات إذا لم يكن قريبًا منها.

Picture1.png

وأضافت أن الاشتراك في المولد يكلف حوالي 100 شيكل كل عشرة أيام، أي نحو 300 شيكل شهريًا، مع تقنين شديد لا يتجاوز الشحن والإضاءة. وإذا اضطرت الأسرة لتشغيل الغسالة أو أجهزة أخرى، ترتفع التكلفة إلى 500 شيكل شهريًا، وهو عبء كبير لا يمكن تحمله بسهولة.

وأوضحت أن حياتهم اليومية تغيرت بالكامل؛ الطعام يُشترى يومًا بيوم لتجنب تلفه، بينما تبقى الثلاجة والميكرويف مجرد أجهزة معطلة بسبب استهلاكها العالي للكهرباء.

وأضافت أن أسعار الطاقة البديلة خيالية؛ أبسط منظومة تكلف آلاف الشواكل، بينما المنظومة الكاملة التي تشغل البيت تبدأ من عشرات آلاف الدولارات، ما يجعلها خيارًا مستحيلًا.

وأوضحت أنهم مضطرون للاشتراك بالمولد حتى لو لم يرغبوا، فقط لضخ المياه للعمارة. وقد استغنوا عن معظم الأجهزة الكهربائية تقريبًا، ولم يبقَ سوى الغسالة، لأن تشغيل باقي الأجهزة يعني ميزانية لا يمكن تحملها.

ولا يقتصر أثر انقطاع الكهرباء على البيوت فقط، بل يمتد ليضرب القطاع الصحي.

Picture3.png

ففي مؤتمر صحفي عقدته وزارة الصحة الفلسطينية في قطاع غزة، بتاريخ 29 مارس 2026، حذّرت من أن استمرار الأزمة يهدد حياة مئات المرضى، بينهم أكثر من 100 طفل خدج ومرضى بالعناية المركزة وغسيل الكلى، الذين تعتمد حياتهم على أجهزة تحتاج إلى كهرباء دائمة.

وأكدت الوزارة، أن المستشفيات الكبرى مثل الشفاء والأوروبي اضطرت لإلغاء العمليات الجراحية والاكتفاء بحالات الطوارئ، فيما تعطلت أجهزة التشخيص الحيوية مثل الأشعة المقطعية CT والرنين المغناطيسي MRI بسبب الانقطاع المتكرر.

وفي تصريح آخر بتاريخ 2 أبريل 2026، أوضح مدير مجمع الشفاء الطبي، د. محمد أبو سلمية، أن نحو 90 مولدًا كهربائيًا في المستشفيات تعرضت للاستهداف المباشر وتحتاج إلى صيانة عاجلة، محذرًا من انهيار وشيك للمنظومة الصحية مع نفاد الوقود اللازم لتشغيلها. وأضاف أن استمرار الأزمة سيؤدي إلى تلف الأدوية الحساسة ووحدات الدم نتيجة تعطل أنظمة التبريد، ما يعني أن انقطاع الكهرباء لم يعد مجرد أزمة خدمات، بل تهديدًا مباشرًا للحياة.

واحد وثلاثون شهرًا من الظلام لم تُطفئ فقط أنوار البيوت، بل أطفأت معها أحلام الناس البسيطة في حياة طبيعية. الكهرباء التي كان يُفترض أن تكون حقًا أساسيًا، تحولت إلى عبء مالي يثقل كاهل الأسر، ويجبرها على الاستغناء عن أبسط احتياجاتها أو التنقل بين المقاهي والبيوت بحثًا عن إنترنت أو تيار يكفي لإنجاز امتحان أو شحن هاتف.

لكن الحقيقة الأكثر قسوة أن القلة القليلة فقط هي التي تستطيع دفع تكاليف المولدات والاشتراكات، فيما الغالبية العظمى من الأهالي تبقى غارقة في الظلام، محرومة من الماء المنتظم، من التعليم المستقر، ومن أبسط مقومات الراحة.

ومع تهديد وزارة الصحة في مؤتمراتها الأخيرة بانهيار المنظومة الصحية بسبب انقطاع الكهرباء، يتضح أن الأزمة لم تعد مجرد حرمان من الضوء، بل عنوانًا لأزمة إنسانية شاملة. في غزة، الظلام صار مرآة لواقع قاسٍ يختبر قدرة البشر على الصمود، ويصرخ بأن الحياة بلا كهرباء هي حياة بلا أفق، وأن استمرار هذا الوضع يعني حرمان جيل كامل من أبسط حقوقه في العيش الكريم.

المصدر : تقرير - رغد سمير عياد

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد