تعاني منظومة العدالة في قطاع غزة من أزمة مركبة، فهي مأزومة قبل حرب الإبادة بالانقسام الفلسطيني الذي طال الجهاز القضائي والشرطي، فقد صدرت الأحكام طوال سنوات الانقسام من قضاء قائم في قطاع غزة مستقل عن الجسم القضائي في الضفة الغربية، وتم تنفيذها من قبل أجهزة تنفيذية شرطية طالها الانقسام، ومن جهة أخرى فما أن توقّف الشكل العنيف لحرب الإبادة على قطاع غزة، حتى برزت آثارها من مشكلات طالت جميع مناحي الحياة في قطاع غزة، ولم يكن قطاع العدالة وما لحق به من دمار وتخريب إلا صورة مكثفة لها.

بالرجوع الى التقارير التي تتناول مقدار ما أحدثته الإبادة من دمار؛ نجد أن مجمل المحاكم والنيابات تم تدميرها، بما في ذلك قصر العدل، مما أدى إلى العجز عن ممارسة العمل القضائي، والأهم من ذلك فقدان الملايين من ملفات الدعاوى الجزائية والمدنية والتجارية بما فيها من وثائق ومستندات. أما بالنسبة للشرطة، فقد جرى تدمير كل المراكز الشرطية والسجون ومكاتب الإدارات الشرطية إلى جانب استشهاد أكثر من 1400 من ضباط وأفراد جهاز الشرطة المدنية. أما الضلع الثالث من أضلاع مثلث العدالة، ألا وهو المحامين، فلم يكن الحال أفضل إذ استشهد منهم أعداد كبيرة، الى جانب تدمير أكثر من ألف مكتب من مكاتب المحامين والمحاميات.

هذه المعطيات توضح أن ما أصاب قطاع العدالة في قطاع غزة ليس مجرد ضرر عابر، إنما يصل إلى حد الهدم الكامل الذي يستوجب إعادة البناء، وليس مجرد الترميم. إن تحدي إعادة البناء ليس مجرد حاجة مجتمعية، إنما هو ضرورة بقاء لشعب لا بد أن يبقى، في حين أرادت له قوى الظلم الفناء، لذلك يجب أن يتم البناء على أسس وطنية تتجاوز آفة الحزبية أولا، وعلى مبادئ النزاهة وإجراءات شفافة مبنية على أنظمة مساءلة واضحة وفعالة.

لقد كانت البداية مبشرة بإعادة بناء جهاز شرطي وطني يتجاوز الحزبية والمحاصصة، حين قامت اللجنة الإدارية لقطاع غزة بالإعلان عن الحاجة لتوظيف 5000 شرطي عبر رابط عام للتسجيل متاح للكافة، غير أن ذلك يتطلب إجراءات متممة أكثر وضوحا من قبيل تحديد معايير الاختيار ومواعيده والجهات القائمة به، كما يتطلب وضع آليات محددة للطعون والشكاوى والجهة المختصة بتلقيها وآليات المعالجة.

غير أن وجود نزاهة وشفافية في عملية التعيين لا يضمن جودة العمل الشرطي المستقبلي، بل يجب إظهار قدر عالي من عدم التسامح مع أي شكل من أشكال الفساد أو استغلال السلطات لمكاسب خاصة أو الإضرار بالغير، لذلك من الجيد وجود نظام رقابي صارم يكافئ المصلح عبر آلية وطنية محددة للترقيات والمكافآت تقوم على الكفاءة والأقدمية وتبتعد عن المحاصصات الحزبية، ويجب أن يتم العمل على وقاية أفراد الشرطة من الوقوع في الفساد وممارسة شهوة السلطة في الخفاء عبر إجراءات رقابية مثل وجود كاميرات يرتديها رجال الشرطة أثناء القيام بالمهمات أو أثناء التحقيق، واستبدال الملفات الورقية التي يسهل التلاعب بها أو إخفاؤها بعملية أرشفة إلكترونية لكافة التجاوزات والشكاوى التي تقدم بحق الشرطة وإجراءات متابعتها، ويتم تحديد جهات معينة وقليلة ومختصة يمكنها الوصول لهذه الملفات والتعديل بها، في حين يكون الوصول إليها للاطلاع متاحاً للمعنيين من الشرطي أو المشتكي أو من يمثلهما قانونا.

أما المحامين؛ فإن دورهم في مرحلة التعافي لا يقل أهمية وخطورة عن دور الجهات الرسمية، وذلك نظرا لتراكم كم هائل من النزاعات في فترة الحرب، لم يتسن للقضاء البت بها، إلى جانب أن الكثير من أصحاب الحقوق غير موجودين أصلا نظرا لاستشهاد عائلات بأكملها، مما يطرح إشكاليات هائلة حول ممتلكاتهم وأرصدتهم المالية وحقوقهم عند الغير، وأن ورثتهم غير عالمين بها نظرا لبعد القرابة والعلاقة، أو أنه لم يتبق لهم ورثة أصلا، أو ما يتعلق بالغائبين والمفقودين الذين لم يتقرر مصيرهم على وجه اليقين. كل هذه الإشكاليات وغيرها الكثير، قد تغري بعض ضعاف النفوس للتغول على حقوق الغير، وهو ما لا يمكن تمامه إلا بمعونة أحد المحامين، لذلك ما يقع على النقابة من عبء أكبر من مجرد الدفاع عن حقوق المحامين والعمل على تحسين أوضاعهم، بل يتعداه الى دور رئيس لا بد أن يبرز الآن، ألا وهو ضمان نزاهة المهنة والعاملين بها، والتعامل بإجراءات شفافة ومعلنة، وإيجاد نظام مساءلة أكثر فاعلية وحزم، لذلك قد يكون إيجاد آليات توثيق واطلاع على الوكالات للمحامين عبر موقع إلكتروني مخصص لذلك ومعلن عبر وسائل التواصل الاجتماعي والإذاعات المحلية، لتعريف كل من يسعى إلى أي عملية شراء أو بيع للممتلكات أو التصرف بها كيفية التأكد من صحة الأوراق المقدمة، وخاصة وكالات المحامين عن الأطراف ذوي الصلة، وفي سبيل ضمان وصول الجميع إلى العدالة بكل نزاهة وشفافية ومساواة، لا بد من تفعيل دور العيادات القانونية سواء داخل النقابة أو الجامعات أو المؤسسات المتخصصة لضمان قدرة الفقراء ومن فقدوا أموالهم وممتلكاتهم في حرب الإبادة من الوصول إلى العدالة بطريقة تضمن صون حقوقهم واحترام كرامتهم الإنسانية. كما أن تفعيل لجان الرقابة ومجالس التأديب الداخلية ضرورة ملحة في الوقت الحالي، للتعامل بصرامة مع أي تجاوز من المحامي أو المحامية الذي سعي إلى الغش أو التدليس سواء لمصلحته أو لمصلحة الغير أو إضرارا بموكليه، ولكي يتحقق التوازن، ولا يبدو وكأن الرقابة هي سيف مسلط فقط على رقاب المحامين، فلا بد أن يقال للمحسن منهم أحسنت، وذلك عبر لوحة شرف يتم فيها نشر أسماء المحامين الأكثر نزاهة ورفضا للفساد مع مكافآت مادية ومعنوية، ويجري تحديدهم بشكل دوري عبر آليات محددة، ومؤشرات واضحة وإجراءات معلنة مسبقا.

أما القضاء، فهو عين العدالة الحارس وسيفها الضارب لا يستقيم العدل إلا بنزاهته ولا يمر الجور والظلم إلا بفساده، لذلك فإن السعي الى إحقاق الحقوق وحماية الحريات، لا يمر إلا عبر قضاء نزيه مستقل بعيد عن الحزبية والمحاصصة لا سلطان فيه على القاضي إلا لضميره، وهذا تجسيدا للمبدأ الدستوري الوارد في المادتين 97 و 98 من القانون الأساسي الفلسطيني اللتين تقرران استقلال السلطة القضائية واستقلال القضاة، ولا سلطان عليهم إلا ضميرهم، وهو ما يستدعي إعادة إنشاء جهاز القضاء بشقيه الواقف المتمثل في النيابة العامة والجالس أي قضاء الحكم على أسس وطنية وبطريقة نزيهة وشفافة تحقق مبدأ الرقابة والمساءلة سواء على جهة الاختيار والتعيين، أو على القضاء لاحقا بما لا يخل باستقلاليته، غير أن هذا الأمر لا يتم في يوم وليلة إنما يتطلب وقتا قد يطول بعض الشيء، مما يستوجب المرور بمرحلة انتقالية مؤقتة لا مناص فيها من الاعتماد على العاملين الحاليين في النيابة أو القضاء.

قد تثور الإشكالية حول وجود جهازين قضائيين، إحدهما يتبع السلطة الفلسطينية في رام الله ، وهو غير عامل، والآخر كان عاملا حتى وقت قريب ويتبع لجهة الحكم في قطاع غزة، والذي يشكك الكثير في شرعيته، كون تعيينه لم يكن منسجما مع القانون الأساسي أو قانون السلطة القضائية. أما القضاة وأعضاء النيابة التابعيين السلطة الفلسطينية في رام الله؛ فإن الابتعاد عن العمل طوال ما يقارب العشرين عاما، أدى إلى الكثير من التغيرات، حيث أن أعدادهم أصلا كانت قليلة، وقد تم ترقية الكثير منهم من النيابة إلى القضاء، وتقاعد آخرين. أما من بقي، فلا شك أن الابتعاد عن العمل طوال هذه الفترة قد أثر على لياقته وقدرته على العمل القضائي، مما يحتاج الى إعادة تدريب وتأهيل، وقد يكون الحل للخروج من هذه المعضلة المركبة هو بدمج كافة العاملين في مجال النيابة العامة والقضاء من الجهتين وإخضاعهم إلى تدريب مكثف، ثم التقييم من مجلس القضاء الأعلى باعتباره الهيكل الدستوري المشرف على الجهاز القضائي وفقا للمادة 100 من القانون الأساسي الفلسطيني، بالتعاون مع اللجنة الإدارية لقطاع غزة. ويجب أن يجري التقييم وفقا لمعايير محددة مسبقا نزيهة وشفافة ومعلنة للجميع، لتحدد من لديه الأهلية واللياقة للعمل القضائي من عدمه، على أن يصدر مرسوم من الرئيس بتعيين المقبولين من القضاة ووكلاء نيابة غزة.

غير أن المرحلة الانتقالية وحالة الاستعجال التي تطلبت ما سبق، لا ينبغي لها أن تبقى هي الأساس للعمل القضائي، إنما يجب الالتزام بما ورد في القانون الأساسي الفلسطيني بوصفه الدستور المؤقت لدولة فلسطين، واعتبار أنه المنطلق الأساس الذي يجب احترام أحكامه، سواء من حيت التعيين أو النقل والإقالة أو من حيت علاقة السلطة القضائية بالسلطات الأخرى وضمان استقلالها، والنأي بها عن التجاذبات السياسية أو محاولات الهيمنة والتسخير لمصالح غير العدالة المجردة. إن الالتزام بأحكام القانون الأساسي في عملية إعادة بناء الجهاز القضائي، يشكل ضمانة أولية لتحديد مسار البناء، يحميه من الشطط والزلل/ لاعتباره أرضية مقبولة ومحددة جامعة للكل الوطني، ومرجعية وحكم يمكن الرجوع إليه في حال الاختلاف.

كما يجب ضمان نزاهة العمل القضائي وشفافية إجراءاته، وضمان نظم رقابة ومساءلة فعالة لا تتناقض مع استقلالية القضاء، وذلك عبر اعتماد مجموعة من الإجراءات منها:

- ضمان نزاهة التعيين في سلك النيابة والقضاء عبر سياسة تعيين واضحة معلنة، تقوم على الكفاءة والاختبارات المهنية، ولا تعتمد بأي حال على المحاصصة أو الانتماء الحزبي أو العائلي والعشائري.

- إنشاء صندوق وطني للتعافي، وإعادة الإعمار يحتوي على صناديق فرعية - أحدها صندوق إعادة إعمار هياكل القضاء، تسمح للفلسطينيين والعرب ومن أراد من العالم التبرع لإعادة الإعمار، ويكون عبر آلية وطنية نزيهة شفافة ومفتوحة للاطلاع العام، بل وتسمح لمن يرغب بالتبرع تحديد والوجهة التي يرغب بإنفاق أمواله على إعمارها. ويقوم على إدارة هذا الصندوق مجلس إدارة، يضم في عضويته ممثل لدولة فلسطين، ولجنة إدارة غزة، وشخصيات وهيئات اعتبارية فلسطينية وعربية.

- سياسة ترقيات معلنة نزيهة وشفافة، تعتمد الأقدمية وتقارير الأداء معيارا للترقية، وتتم من لجنة ترقيات تتحدد عضويتها بالصفات لا بالأسماء، بحيث تحتوي على أعضاء من القضاء وخارجه.

- الاستقلال المالي والإداري الذي يمنح القضاء استقلالاً في الأحكام، ويضمن عدم تدخل السلطة التنفيذية في موازنة القضاء، سواء فيما يتعلق بالرواتب أو اللوجستيات المطلوبة للعمل.

- ضمان شفافية الإجراءات عبر عدالة رقمية، تتيح للمتعاملين مع قطاع العدالة سواء محامين أو متقاضين أو حتى موردين ومؤسسات أهلية الوصول إلى الأحكام والإجراءات الخاصة بكل منهم بكل سهولة ويسر.

- تقارير فصلية وسنوية معلنة تصدر عن المكتب الفني تتناول أعمال القضاء، وما تم إنجازه والميزانيات التي تم إنفاقها، وأوجه هذا الإنفاق، ومجالات التقصير التي ينبغي تداركها.

- التمسك الصارم بعلانية الجلسات كمبدأ دستوري وشكل من أشكال الرقابة الشعبية على أعمال القضاء.

- تفعيل الرقابة الداخلية على القضاء عبر دائرة التفتيش القضائي.

ونظرا للكم الهائل من المنازعات المرحلة من السنوات السابقة، والتي أوجدتها الحرب والتي لا يمكن للقضاء مجاراتها والفصل فيها بالسرعة المطلوبة لتحقيق العدالة الناجزة؛ فلا بد من التوجه إلى تعميم الوسائل البديلة لحل النزاعات، مثل: الوساطة والتحكيم، ومأسستها لضمان تطبيقها بنزاهة وإجراءات شفافة، وإخضاعها للمساءلة الرسمية عبر التصديق القضائي، وغير الرسمية عبر مؤسسات مجتمعية معنية بهذا المسار من العدالة التصالحية.

إن مرحلة التعافي التي يمر بها قطاع غزة ليست مجرد مرحلة فاصلة بين الأزمة والاستقرار، إنما هي الفرصة لتثبيت وجود الإنسان الفلسطيني على أرضه والصمود في وجه كل المحاولات الرامية لاستئصاله. لذلك؛ فإن أحد أهم أوجه المساندة المطلوبة هو العمل على استعادة ثقته بمؤسساته الوطنية وشعوره بالانتماء إليها وأنها تعبر عنه، ولا يكون ذلك إلا عبر مؤسسات بأجندة وطنية جامعة نزيهة، ليس لها من هَمٍّ سوى الصالح العام، تتسم أيضا بالشفافية لإعلان الإجراءات والأدوات والهياكل التي لا تقوم إلا على الكفاءة، وتكون خاضعة للمساءلة سواء الرسمية أو المجتمعية.

إن مؤسسات العدالة النزيهة ليست مجرد حالة أخلاقية، إنما هي ضرورة وطنية كونها أحد أهم أشكال استعادة ثقة المواطن التي تؤهله للصمود في وطنه.

المصدر : وكالة سوا

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد