تؤكّد مجريات التاريخ الحاضر، أن المستقبل يذهب نحو تغيير موازين القوّة على المستوى العالمي، فلقد بلغت أميركا، أقصى ما تستطيع من امتلاك عناصر القوّة وبمستويات لم يكن لأحدٍ أن يقترب منها.

أميركا لا تزال تمتلك أقوى قوّة على وجه الأرض، اقتصادياً وعسكرياً وتكنولوجياً، ونفوذاً، وهيمنة.

الديمقراطية، وخطابات الحرّيات، وحقوق الإنسان، كانت جزءاً أساسياً من عناصر القوّة الأميركية، لكن هذا العنصر أخذ يتبدّد، مع انكشاف دوره في ممارسة التضليل ووسيلة لتعميق الدور الاستعماري، والتسلّط على الشعوب الأخرى.

شكّلت أميركا لعقود، موئلاً لاستقطاب الكفاءات والعلماء من كل أنحاء الأرض، وملاذاً للهاربين من ظلم أنظمتهم السياسية المستبدّة.

تغيّرت الأحوال، حين تقدمت دول عديدة، في طليعتها الصين، والهند ودول أخرى، نحو امتلاك سبيل التطوّر، وخوض منافسة حقيقية تهدد مكانة أميركا، وتهدّد سيطرتها على النظام العالمي بعد سقوط وتفكّك الاتحاد السوفييتي.

مع هذا التطوّر، لم يعد بالإمكان استمرار النظام العالمي، الذي تتسيّد عليه أميركا، وأصبح لزاماً، أن يذهب العالم إلى نظام عالمي متعدّد الأقطاب، بما ينطوي عليه ذلك من تغيير واجب، على مستوى المؤسّسات الدولية وفي مقدمتها الأمم المتحدة، والنظام المالي العالمي.

تتأخّر أميركا، بينما تتقدّم القوى الأخرى المنافسة، ومعها تتبدّل مراكز القوّة، والتحالفات، والإستراتيجيات وتظهر معالم اصطفافات جديدة، كانت تمنح أميركا المزيد من عناصر القوّة والتفرّد.

كان من الطبيعي أن يظهر في أميركا رئيس وإدارة على مقاس دونالد ترامب، الذي يعكس طبيعة الأزمة التي تعاني منها بلاده.

عبثاً يحاول ترامب، إعادة عقارب الساعة إلى الخلف، بل إن مغامراته، وحروبه الاقتصادية، والعسكرية والتكنولوجية، لم يكن لها أن تحقق شعاره الأثير «لنجعل أميركا عظيمة»، واتضح أن شعار «أميركا أوّلاً» دونه صراع مرير مع شعار «إسرائيل أوّلاً».

الأزمة ليست كما يصوّرها ترامب، الذي يلقي بالاتهامات على من سبقوه في الإدارة، فما يجري ينطوي على سياق طبيعي سواء كان هو على رأس الإدارة، أم كان غيره.

أصبح معلوماً أن أميركا، لم تكن صاحبة قرار الحرب على إيران والشرق الأوسط، وأن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو المطلوب لـ»الجنائية الدولية» هو من بادر إلى هذه الحرب العدوانية، التي لا يريدها أن تتوقف في المنطقة، انطلاقاً من تقدير يجد في ترامب أفضل وربما آخر فرصة له، لكي يحقق أوهامه في التوسّع والهيمنة.

قبل الحرب، كان مضيق هرمز مفتوحاً تماماً، أمام تدفّق النفط والغاز، وسلاسل الإمداد، وكانت أميركا تحصد تريليونات الدولارات من دول الخليج العربي، بينما لم تشكل إيران أدنى تهديد لمصالح أميركا وقواعدها الـ 19 المنتشرة في منطقة الخليج.

ولم تظهر أيّ مؤشّرات على أن إيران تطوّر برنامجاً نووياً حربياً باعتراف رافايل غروسي، مدير عام هيئة الطاقة الذرية، وكانت إيران تخضع لحصار مشدّد، وتئنّ تحت وطأة العقوبات الأميركية والدولية، فهل يمكن الاعتقاد بأن أميركا صاحبة مصلحة في شنّ الحرب على إيران؟

أخطأ ترامب بالتأكيد، حين وافق وانضم إلى نتنياهو في هذه الحرب حتى لو كان لدى الأخير ما يهدّد به ترامب، لكنه وقع مرّة أخرى في خطيئة أخرى، حين أوهمه غروره، أو خانته حساباته، فاعتقد أنه سيعلن الانتصار الحاسم، خلال أيّام قليلة.

ما يقرب من 60 يوماً، ولا تزال الحرب قائمة لا يعرف ترامب كيف سيخرج منها. صمدت إيران، على نحو أسطوري، حتى احتار ترامب، بشأن كيفية تحقيق الانتصار فارتكب خطيئة أخرى فاحشة حين أعلن عن فرض حصار بحري على الموانئ الإيرانية ومضيق هرمز.

لقد أدّى ذلك إلى تشدّد الموقف الإيراني، وألقى الحصار بنتائج كارثية على إمدادات النفط، وسلاسل الإمداد، وعمّق الشرخ بين أميركا، والكثير من دول العالم بما في ذلك وأوّلاً أوروباً ما أدّى إلى توسيع الفجوات بين أميركا وأوروبا، وأميركا والصين، وأميركا ودول الخليج العربي.

هدنة بعد الأخرى، يعلنها ترامب فاقد الخيارات، آملاً في أن يُحدث شرخاً وانقساماً في القيادة الإيرانية، متوسّلاً العودة إلى المفاوضات، التي تكاد تصل إلى طريق مسدود.

يريد ترامب استسلاماً كاملاً من إيران، ويركّز حديثه على موضوع البرنامج النووي، واليورانيوم المخصّب، ويتجاهل بقيّة العناوين سواء ما يتعلّق بتحكّم إيران بمضيق هرمز، أو الصواريخ الباليستية، بعد أن يئس من هدف إسقاط النظام الإيراني.

وتصرّ إيران على رفع الحصار الذي تفرضه البحرية الأميركية أوّلاً قبل العودة إلى المفاوضات، وتشترط إخلاء أميركا كل قواعدها ووجودها العسكري من المنطقة، وتصرّ على حقّها في التخصيب وفق آليات مراقبة يمكن الاتفاق عليها.

تستمرّ الحرب، وبينما تظهر إيران، تماسكها ووحدتها، تعاني أميركا من التشقّقات، والانقسامات، والخلافات، على مستوى الإدارة والمجتمع.

ترامب هو من اختار إدارته، من أشخاص مخلصين له، بصرف النظر عن الكفاءة، ولكنه لا يتوقف عن إقالة هؤلاء الذين لا يظهرون له الولاء الأعمى.

بين من يستقيل ومن يُقال بقرار من ترامب، ثمّة عشرات الجنرالات، والوزراء والمسؤولين الفيدراليين، الذين يتحوّل بعضهم إلى معارضين له ولحروبه الدونكيشوتية.

أميركا كدولة عظمى لن تنهار، ولا مصلحة للبشرية في انهيارها، ولكنّ ثمّة أملاً في أن تشهد تغييرات جوهرية في سياساتها ودورها الاستعماري، وممارستها الظلم تجاه الشعوب الأخرى.

وبينما يبحث ترامب عن سلّم للنزول عن الشجرة، بعد أن أظهرت استطلاعات الرأي، أن 56% من المجتمع الأميركي يرفض الحرب، ويخطئ سياسة الإدارة الأميركية، يبحث نتنياهو عن طريقة لاستمرار الحروب العدوانية في المنطقة، لا تنفع مناورته، بشأن مفاوضات السلام المستحيل مع لبنان، ولا ينتظر، فيعود للتصعيد رغم الهدنة، ورغم تحذيرات ترامب.

هل يقع الصدام بين الإدارة الأميركية والدولة العبرية؟ علينا أن ننتظر ملامح انتهاء شهر العسل.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد