في انتخابات بلدية دير البلح، لا يكفي أن نقرأ رقم المقترعين، بل ينبغي أن نصغي إلى الصمت الذي خلفه الغائبون. من أصل 70,449 يحق لهم الاقتراع، شارك 15,962 فقط -حسب المعلومات الأولية- أي أن الأغلبية اختارت الغياب. هذا الغياب ليس كسلاً سياسياً عابراً، بل موقف مُحمَّل بدلالات ثقيلة، يختصر علاقة مأزومة بين الناس والعملية الانتخابية، وبين الأمل والواقع.

العزوف هنا يبدو أقرب إلى رسالة احتجاج صامتة. في سياقٍ يرزح تحت أعباء الحرب وتداعياتها، تصبح أولويات الناس أكثر التصاقاً بالبقاء: الأمن، والغذاء، والدواء، وسقف يقيهم القلق. في مثل هذا المناخ، تتراجع السياسة إلى الهامش، لا لأنها بلا قيمة، بل لأن أثرها يبدو مؤجلاً أو محدوداً. يشعر المواطن أن صوته، مهما علا، لن يبدل كثيراً في واقعٍ يفرض شروطه بقسوة.

كما أن ضعف الثقة يلعب دوراً مركزياً. تراكم التجارب السابقة التي لم تُفضِ إلى تحسن ملموس في الخدمات البلدية، خلق فجوة بين الوعود والنتائج. ومع إدراك واسع بأن المجالس المحلية تعمل ضمن صلاحيات مقيدة وخاصة في الحالة الغزيّة، يتعزز الانطباع بأن التغيير المنشود أكبر من قدرة صندوق الاقتراع وحده. وهنا يتحول الامتناع عن التصويت إلى تعبير عن خيبة، أكثر منه رفضاً للمشاركة من حيث المبدأ.

العامل الحزبي بدوره لم يكن بعيداً عن هذا المشهد. غياب القوائم الحزبية الواضحة، أو تراجع حضورها، أضعف القدرة على الحشد والتعبئة. كما أن الأداء الخدمي للأحزاب خلال سنوات الأزمة لم يرقَ إلى مستوى التوقعات لدى كثيرين، ما انعكس فتوراً في ال حماس لدعم أي طرف. المواطن الذي لم يرَ أثراً مباشراً لعمل هذه القوى في حياته اليومية، يصعب إقناعه بأن صوته سيُحدث فارقاً هذه المرة.

ولا يمكن إغفال العبء الثقيل للمعيشة اليومية. حين ينشغل الفرد بتأمين الحد الأدنى من احتياجاته، تصبح المشاركة السياسية ترفاً مؤجلاً. في هذا السياق، يغدو يوم الانتخابات يوماً عادياً آخر، لا يحمل ما يكفي من الدافع لتجاوز التعب أو الخوف أو اللامبالاة.

في المحصلة، ضعف الإقبال في دير البلح ليس رقماً عابراً، بل مؤشر مركّب على أزمة ثقة وأولويات مضطربة وحدود تأثير واضحة. وهو في الوقت نفسه دعوة صريحة لإعادة التفكير: كيف يمكن استعادة ثقة الناس؟ وكيف تتحول المشاركة من واجب شكلي إلى أداة حقيقية للتغيير؟ الإجابة لا تكمن في دعوة الناس للتصويت فقط، بل في بناء واقع يلمسون فيه أن أصواتهم تُصغي إليها المؤسسات، وتنعكس في حياتهم اليومية بشكل ملموس.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد