في غزة ، لم تعد المأساة حدثاً يمكن التعافي منه، بل تحولت إلى سياسة ممنهجة، أو إلى هندسة قاسية لإبقاء الحياة عند حافة الانهيار دون أن يُسمح لها بالسقوط الكامل أو النهوض.
هناك إدارةٌ دقيقة للألم، وتوزيع محسوب للمعاناة، من خلال إبقاء الناس في منطقة بين الموت والبقاء، حيث لا شفاء ممكن، ولا نهاية تَلوحُ في الأفق.
حكومة الاحتلال لا تتهرب فقط من استحقاقات المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، بل تلتف عليه، وكأن الاتفاق لم يكن إلا محطةً ل Show الإعلامي قبل استئناف الضغط بأدوات مختلفة. 
البنود التي تتحدث عن التهدئة، وعن الانسحاب من المناطق المحتلة، وعن إدخال المساعدات الإنسانية والبيوت المتنقلة، تُفرّغ من مضمونها على الأرض، بينما يُعاد تعريف الواقع بما يخدم استمرار السيطرة لا إنهاءها.
وفي الوقت الذي كان يفترض فيه التراجع، نشهد العكس تماماً: توسيع لما يُسمى "الخط الأصفر"، من خلال تمدد بطيء لكنه ثابت لمناطق سيطرة جيش الاحتلال، لنرى الأرض تُقضم متراً متراً تحت غطاء التهدئة. 
لا انسحاب، بل إعادة انتشار. لا تخفيف للحصار، بل إعادة تشكيله بأدوات أكثر قسوة ودهاء.
أما المساعدات الإنسانية، فهي قصةٌ أخرى من التلاعب الفج. ما يُسمح بدخوله لا يتجاوز 20% -وأحيانًا أقل- من الحد الأدنى المتفق عليه، 600 شاحنة، في حين أن الحاجة اليومية تُقدر بنحو 1000 شاحنة. ما يمارسه الاحتلال سياسة تجويعٌ مُقنع، وإبقاءٌ للغزي في حالة عوز دائم، بحيث تصبح لقمة الخبز حدثاً، وجرعة الدواءِ أملاً، والخروج للعلاج معجزةً.
أما معبر رفح ، الذي يراه الغزي شرياناً أخيراً للحياة، يُبقيه الاحتلال مغلقاً أو بعبارة أدق مشلولاً، مانعاً خروج الجرحى والمصابين، وكأن الألم يجب أن يبقى في أجسادهم النحيلة المنهكة. نعم الجرحى في غزة يُتركون لبطء النزيف، والمرضى يُتركون في انتظار ساعتهم الأخيرة.
وفي مخيمات النزوح التي بات 90% من أهالي القطاع يعيشون فيها… هناك الصورة التي لا تصل إلى نشرات الأخبار. خيامٌ بالية ومهترئة، لا تقي حراً ولا برداً. عائلاتٌ كاملة تعيش في مساحات ضيقة، تنغص حياتهم القوارض (الفئران)، ويجتاحها القمل والذباب والناموس ليلاً ونهاراً. لا خصوصية، ولا نظافة، ولا أدنى شروط الكرامة الإنسانية. الأمراض تتفشى -من الجدري إلى أوبئة أخطر- وسط غياب شبه كامل للرعاية الصحية.
غزة اليوم لا تُقصف فقط، بل تُستنزف بالزمن. تُحاصر بالجوع، وتُرهق بالمرض، وتُترك لتواجه مصيرها في صمت ثقيل. 
إنها حربٌ بغطاء التهدئة.. حربٌ تُدار بإبطاء الموت بدلاً إنهاء الحياة دفعةً واحدة.
ورغم ذلك، يئن الناس… لكنهم لا ينكسرون، لأن ما يُراد لهم، هو النهاية والتصفية، ليتحول كل يوم بصبرهم المُعجِز إلى شكلٍ آخر من أشكال البقاء.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد