الدولار يهبط لأدنى مستوى في 3 عقود مقابل الشيكل لهذه الأسباب
تراجع الدولار الأميركي، اليوم الثلاثاء، إلى حدود 3.01–3.02 شيكل في سوق العملات الإسرائيلية، في ظل تحسّن شهية المستثمرين في إسرائيل وتراجع المخاوف من تجدّد الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، بالتوازي مع مؤشرات على عودة المفاوضات بين الجانبين.
ويأتي هذا الانخفاض فيما يقترب سعر الصرف من مستويات لم تُسجَّل منذ نحو ثلاثة عقود، وسط ترقب للتطورات السياسية والاقتصادية المقبلة؛ وبحسب ما أفادت صحيفتا "ذي ماركر" و"كالكليست"، فإن التداولات في سوق العملات الأجنبية تشهد اتجاهًا واضحًا نحو تعزيز قيمة الشيكل مقابل العملات الرئيسية.
وسجل الدولار انخفاضًا بنحو 1%، فيما تراجع اليورو أيضًا إلى ما دون 3.56 شيكل. وأشارت المعطيات إلى أن آخر مرة هبط فيها الدولار دون مستوى 3 شواكل كانت في 19 تشرين الأول/ أكتوبر 1995، عندما بلغ 2.991 شيكل.
"تفاؤل سياسي يدعم اتجاهات السوق"
ويعزو متعاملون في السوق هذا التوجه إلى تراجع القلق من تصعيد عسكري، بعد أن لم يُقابل الحصار البحري الذي فرضته الولايات المتحدة على إيران برد فوري من طهران، إلى جانب تصريحات الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، التي قال فيها إن الإيرانيين "يريدون بشدة التوصل إلى اتفاق".
ومع ذلك، أشارت "ذي ماركر" إلى أن حالة عدم اليقين لا تزال قائمة، خصوصًا في ظل التطورات المرتقبة خلال وقف إطلاق النار المؤقت مع إيران والذي ينتهي في 21 نيسان/ أبريل الجاري، واستمرار التصعيد في لبنان والمواجهات مع حزب الله.
وفي هذا السياق، قالت مديرة غرف التداول في "البنك الدولي"، إيديت موسكوفيتش، إن "السوق يفترض أن الطرفين (إيران والولايات المتحدة) يريدان التوصل إلى اتفاق في هذه المرحلة، خصوصاً بعد تأكيد عودة المفاوضات".
وأضافت أن "السوق يعبّر عن هذا التفاؤل من خلال سعر صرف الدولار مقابل الشيكل". ورأت أن سعر الصرف سيستقر على المدى الطويل "حول مستوى 3 شواكل للدولار"، مع احتمال تراجع إضافي إذا تم التوصل إلى "اتفاق طويل الأمد وفعلي يشمل أيضًا لبنان"، ما قد يؤدي إلى "ضغط نحو الأسفل وكسر حقيقي لهذا المستوى".
وأضافت موسكوفيتش أن بنك إسرائيل قد لا يتدخل حاليًا في سوق العملات، مشيرة إلى أن "الأمر يعتمد على مستوى التضخم"، وأن التدخل قد يُطرح فقط إذا "انخفض الدولار كثيرًا دون 3 شواكل"، لكنها شددت على أن هذا السيناريو "ليس مطروحًا حاليًا".
ثلاثة عوامل تقود قوة الشيكل
من جهته، قال كبير الاقتصاديين في "بنك مزراحي طفحوت"، رونين مناحيم، إن قوة الشيكل ناتجة عن ثلاثة عوامل رئيسية، مشيرا إلى "الارتفاعات في الأسواق العالمية، وخصوصاً في وول ستريت، تدفع المؤسسات المالية إلى تقليص انكشافها الخارجي عبر تحويل الدولار إلى شيكل".
وأضاف أن "الارتفاعات في سوق الأسهم المحلية تجذب مستثمرين أجانب ومحليين، ما يتطلب تحويل عملات أجنبية إلى الشيكل"، لافتًا إلى أن الاستثمارات في القطاعين المالي والتأميني تعكس "رهانًا على الاقتصاد المحلي".
وأشار مناحيم إلى عامل ثالث يتمثل في "استمرار تدفقات رؤوس الأموال الحقيقية إلى الاقتصاد الإسرائيلي"، بما في ذلك الاستثمارات في قطاعات التكنولوجيا المتقدمة (الهايتك) والصناعات الأمنية والطاقة. وأوضح أن هذه التدفقات تشكل "مصدر عملات أجنبية كبير".
كما رجّح أن بنك إسرائيل لن يتدخل، موضحًا أن الظروف الحالية تختلف عن تلك التي أعقبت هجوم 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، حين أطلق البنك برنامجًا لشراء ما يصل إلى 30 مليار دولار، في ظل أسعار فائدة منخفضة آنذاك، مقارنة بالمستوى الحالي البالغ نحو 4%.
بدوره، قال الإستراتيجي المالي في "بنك هبوعليم"، مودي شفرير، إن "الشيكل يسجل أعلى مستوى له منذ عام 1999 مقابل سلة العملات"، معتبرًا أن أحد الأسباب الرئيسية هو "تفاؤل المستثمرين بقرب انتهاء الحرب مع إيران"، إلى جانب الانتعاش في الأسواق العالمية، الذي يدفع المؤسسات إلى زيادة عمليات التحوط وبيع العملات الأجنبية.
وأضاف أن "الفائض الهيكلي في ميزان المدفوعات، أي زيادة الصادرات على الواردات، يساهم أيضًا في تعزيز الشيكل، سواء عبر صادرات التكنولوجيا أو الصناعات الأمنية أو الغاز".
وأوضح أن الاستثمارات الأجنبية المباشرة، خصوصًا في قطاع التكنولوجيا، تلعب دورًا إضافيًا في هذا الاتجاه، مشيرًا إلى أن "قوة الشيكل أمام الدولار تبدو أكثر وضوحًا بسبب ضعف العملة الأميركية عالميًا".
وفي ما يتعلق بإمكانية تدخل بنك إسرائيل، قال إن الأمر "غير محسوم"، موضحًا أن قوة الشيكل "تخفف من التضخم"، في حين أن عوامل أخرى، مثل ارتفاع أسعار الطاقة، تدفعه للارتفاع، ما يضع البنك المركزي أمام معادلة معقدة.
على الصعيد العالمي، أظهرت بيانات الأسواق ارتفاع اليورو بنسبة 0.4% مقابل الدولار إلى 1.18 دولار، وصعود الجنيه الإسترليني بنحو 0.6% إلى قرابة 1.36 دولار، في حين تراجع مؤشر الدولار، الذي يقيس أداء العملة الأميركية مقابل سلة من العملات الرئيسية، بنسبة 0.3% إلى مستوى 98.1 نقطة.
وتأتي هذه التحركات في ظل استمرار التوترات الجيوسياسية، بعد أن بدأت الولايات المتحدة بفرض قيود على حركة السفن من الموانئ الإيرانية، فيما هددت طهران بالرد على موانئ دول مجاورة.
وفي هذا السياق، قالت الإستراتيجية في "كومنولث بنك أوف أستراليا"، كارول كونغ، في تصريحات أوردتها "كالكليست"، إن هذه التطورات "ستختبر صمود وقف إطلاق النار الهش"، وقد تؤدي إلى ارتفاع الدولار مجددًا إذا انهار الاتفاق.
فيما أشار جوزيف كابورسو، من البنك ذاته، إلى أن الولايات المتحدة وإيران "بدأتا السير في مسار قد يؤدي إلى اتفاق"، لكنه حذر من أن الأسواق لا تزال تواجه "توقعات اقتصادية عالمية متدهورة"، مع احتمال تجدد التراجعات في أسواق الأسهم والائتمان، ما قد يدفع الدولار إلى الارتفاع مجددًا.
كما لفتت التقديرات إلى أن الضغوط التضخمية الناتجة عن ارتفاع أسعار الطاقة دفعت المستثمرين إلى توقع توجه بعض البنوك المركزية الكبرى نحو رفع أسعار الفائدة، في تحول قد يؤثر بشكل مباشر على اتجاهات الأسواق والعملات خلال الفترة المقبلة.
