بعد أكثر من عامين ونصف على النزوح، لم يعد الغزّاوي يسكن مكاناً بقدر ما يسكن حالة وجع لا تنتهي من النزوح. حالةٌ معلّقة بين بيتٍ صار ذاكرةً مؤلمة، وخيمةٍ لا تُتقن سوا وجع لا نهاية له. بين قصف متواصل هنا وهناك، وهدنةٍ لا تُقنع القلب، وفوبيا عودةِ الحرب كظلٍّ لا يفارق الجدار. نعم، أهل غزة يعيشون في منطقةٍ رمادية، لا هي ليلٌ كامل يُسمّي الأشياء، ولا نهارٌ يهبها أسماءها.
البيت بغزة ليس جدراناً فقط، هو رائحة خبزٍ عند الفجر، صريرُ بابٍ يعرف خطوات أهله، نافذةٌ تحفظ اتجاه الريح. حين يُنتزع البيت، لا يُنتزع السقف فحسب، بل تُقتلع خريطةُ الطمأنينة من الصدر. أما الخيمة، فهي لغةٌ أخرى: قماشٌ يفاوض العاصفة تارةً وحرارة الشمس تارةً أخرى، أرضٌ تُقرضها الأقدام مؤقتاً، وسقف خيمة يتعلم الصبر كل مساء. بين الاثنين تتكون هوّةٌ لا تُرى، لكنها تُسمّى «الحياة الآن».
في هذه المسافة، تتبدّل العلاقات مع الزمن. يصبح الغد احتمالاً هشّاً، والأمس حجراً ثقيلاً، واليوم حبلاً مشدوداً بينهما. الأطفال يكبرون في قياسٍ مختلف ومخيف، أعمارهم لا تُحسب بالسنوات، بل بعدد المرات التي تبدّلوا فيها مكان النوم وجلبوا المياه ووقفوا في الطوابير اليومية، وبعدد الأسئلة التي لم تجد جواباً. والآباء والأمهات يبتكرون شجاعةً يومية: شجاعة الوقوف في الطابور، شجاعة إخفاء الخوف، شجاعة اختراع ابتسامةٍ تُقنع الصغار بأن الغد سيأتي، حتى لو تأخّر.
المنطقة الرمادية ليست جغرافيا فحسب، بل نفسٌ أيضاً. بين الغزّاوي ونفسه مسافةُ مراجعةٍ لا تنتهي: كيف يُحبّ الحياة وهو يراها تتكسّر؟ كيف يُخطّط لمستقبلٍ لم يُسمح له بالنموّ ولا بالموت؟ هنا تتشكّل هويةٌ جديدة من شظايا الصمت. صمتٌ ليس فراغاً، بل لغةٌ كثيفة، يشعل مئات الأسئلة التي لا تنتهي: ماذا يعني أن تكون «مؤقّتًا» كل هذا الوقت؟ كيف تُعيد تعريف الأمان؟ أين يذهب الغضب حين لا يجد طريقاً، وأين يستقرّ الحزن حين يفيض؟
ومع ذلك، في هذا الرماد تنمو بذورٌ غزية عنيدة. الناس يصنعون عاداتٍ صغيرة كأوتادٍ في العراء: قهوةٌ تُعدّ على نارٍ متواضعة، درسٌ يُقام تحت ظلٍّ شجرة، حكايةٌ تُروى كي لا يضيع الاسم. التضامن يصير اقتصاداً بديلاً للروح؛ رغيفٌ يُقسم، بطانيةٌ تُشارك، خبرٌ طيبٌ يُتداول كعملةٍ نادرة. ليست هذه تفاصيل هامشية، بل هندسةُ البقاء حين تتعطّل هندسة المدن.
اجتماعياً، يترك النزوح الطويل أثره العميق: تتبدّل الأدوار داخل الأسرة، تُختبر العلاقات تحت ضغطٍ دائم، ويُعاد تعريف الكرامة في سياق الحاجة. الصحة النفسية ليست ترفاً هنا؛ هي معركةٌ صامتة ضد القلق المزمن، ضد أرقٍ صار عادة، ضد ذاكرةٍ تستيقظ قبل صاحبها. ومع ذلك، يظلّ في الناس ميلٌ شديد للحياة، ليس كشعارٍ كبير، بل كفعلٍ صغيرٍ متكرّر: ترتيبُ الفوضى بقدر المستطاع، تسميةُ الأشياء كي لا تذوب، الإصرار على أن للغد باباً لم يُرَ بعد.
الغزّاوي اليوم عالقٌ في صمتٍ صار جزءاً من هويته، صمتٌ لا يعني الاستسلام، بل تراكم ما يفوق اللغة وتعقيداتها. هو انتظار يقظ، وحذر دائم، وأمل متحفّظ. المنطقة الرمادية قد تطول، لكنها لا تستطيع أن تُلغِي الألوان من الذاكرة. هناك بيتٌ ما، ولو كان فكرةً، وخيمةٌ ما، ولو كانت درساً في الصبر. وبينهما، إنسانٌ يتعلّم—على قسوة الدرس—كيف يحمي جذوة المعنى من ريحٍ لا تهدأ.
هكذا تُكتب الحكاية: لا كملحمةٍ صاخبة، بل كيوميّاتٍ ثقيلة تمشي على أطراف الأصابع. وفي كل يومٍ ينجو، يضيف الغزّاوي سطراً جديداً إلى تعريفه لنفسه: أنا أكثر من حربٍ وهدنة، أكثر من بيتٍ مهدوم وخيمةٍ قائمة. أنا قدرةُ البقاء حين يضيق العالم، وأنا سؤالٌ مفتوحٌ على حياةٍ تستحق أن تُكتب كاملة.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية
