فن الكاريكاتير فن ساخر وقديم، له القدرة على النقد، وهو فن غائب وحاضر في تراثنا العربي والفلسطيني، وقد لمع الكثير من فنانينا العرب والفلسطينيين في هذا الفن أمثال: الشهيد ناجي العلي، والذين جعلوه ثقافة معاصرة، ووسيلة عظمى للتعبير عن القضايا السياسية، والاجتماعية والاقتصادية، والثقافية التي يعاني منها الوطن العربي.


فهو يعتمد على دقة الملاحظة عند الفنان وسرعة البديهة، مع نظرة ثاقبة عن سخرية الموقف، من خلال تقاطع الوجه وتعبيرات الجسد في شكل مختلف عن الواقع، ويهدف الرمز فيه إلى خليط من المبالغة مع الحفاظ على الشخصية والشبة في آن واحد، والتي تحتاج من فنان الكاريكاتير مواصفات خاصة تمتزج بالذكاء والقدرة على التحليل.


ولا شك فيه أن الكاريكاتير كفن من فنون الصحافة، وما يتميز به من مقدرة على جذب انتباه العديد من القراء، استطاع أن يطرح قضية العدوان الإسرائيلي على غزة بشكل يتناسب مع الحدث وقوته، وأن يعبر عنه بشكل يتوافق مع المعطيات على الأرض، وخاصة في الاستهزاء بالجنود الصهاينة، وتضخيم مقدرة المقاوم على خطف الجنود الإسرائيليين؛ نظرا لأن فن الكاريكاتير هو فن ساخر من فنون الرسم، وهو صورة تبالغ في إظهار تحريف الملامح، لطبيعة خصائص شخص ما، بهدف السخرية أو النقد الاجتماعي، والسياسي، التي تنال من حياة الإنسان الفلسطيني؛ فهو قادر على التأثير بما يفوق المقالات والتقارير الصحفية أحياناً.


ولكن للأسف أن رسام الكاريكاتير وقع في مصيدة السياسية الحزبية والتي انعكست على المجتمع الفلسطيني بجميع فئاته ومكوناته، وحيث أن الإعلام الفلسطيني إعلام مسيس وحزبي؛ لذا نلاحظ أن معظم الكتاب والمصورين والصحفيين ومنهم رسامي الكاريكاتير يقعون في المستنقع الحزبي البغيض؛ لذا لو نظرا إلى أعمالهم، لوجدنا أن كل رسام يميل إلى تصوير الواقع الرمزي لفصيله، من خلال عرض لقوته ومقدرته على الصمود والتصدي للعدوان الإسرائيلي.


وقد استخدم رسام الكاريكاتير الفلسطيني الملامح الفنية التي يجب أن تتوفر في فن الكاريكاتير في رسوماته؛ ليسخرها في تحميل الشيء أكثر من طاقته، أي المبالغة والمغالاة، وهو الغرض من الكاريكاتير الذي يبالغ في عرض الجسد لغرض إبراز الطابع الهجائي له، وقد استخدم الفكاهة في الكلمة والفعل والصورة والحركة لتوحي بمعان أخرى مختلفة، ويتجها وسيلة للوصول إلى أغراضه، ولم يعد منتجاً للهجاء فقط متجاوزا وظيفته التقليدية في المبالغة والتضخيم.


وقد سعى فنانين الكاريكاتير الفلسطيني إلى توظيف هذا الفن لخدمة القضية الفلسطينية على مختلف مراحله منذ نشأتها إلى الآن؛ فهو من المسلمات أن يصبو إلى تحقيق أهداف عدة، سواءً أكانت سياسية أو اجتماعية؛ لذا نستطيع القول أن الكاريكاتير استطاع أن يقدم الدعم المعنوي للمقاومة الفلسطينية وللجمهور الفلسطيني، في وقت هم بأمس الحاجة لمن يرفع من روحهم المعنوية للصمود والتصدي للعدوان الإسرائيلي على غزة. وذلك من خلال العرض الفكاهي الذي قدمه عن الجنود الإسرائيليين في أرض المعركة للبحث عن البهجة والسرور في عقل الفرد الفلسطيني.


وعلى الرغم من ذلك للكاريكاتير حدود يجب أن يلتزم بها عند عرضه للأحداث كما يقول فهذا الموضوع أرسطو: أن المضحك هو منقصة ما، وقبح، ما لا ألم فيه، ولا إيذاء؛ لذلك سمي الكاريكاتير الذي لا يلتزم بقواعد المهنة المثالية بالفن السيئ. ومن هنا يمكن القول أن عندما نتعدى على حرية الأخرين بشكل يسيء إليهم يكون منقصة؛ ولهذا نرى أن رسام الكاريكاتير الفلسطيني يحاول دائما الالتزام بقواعد وأخلاقيات المهنة الصحفية.


وحيث أن فن الكاريكاتير أصلا ولد من رحم الكبت السياسي والاجتماعي، ويبقى مقيداً ولا يتنفس إلا بالقدرة الذي ينتجه الواقع السياسي السائد؛ لذا فهو دائما موجه إلى الشخصية السياسية المتضخمة في النظام السياسي، والتي لا يتسع صدرها للنقد الساخر، فهو يعالج القضايا السياسية والاجتماعية؛ فهو يقدم شكل اتصالي يعتمد على الدلالة الصريحة والبسيطة، لمعان ذات دلالات محددة، باستخدام الرمز الذي يعبر عن هذه الدلالات في عرضه للقضية الفلسطينية على المستوى المحلي والخارجي، الذي يعمل على توعية الوعي السياسي والاجتماعي للجمهور الفلسطيني بالعدوان على غزة، ويخلق إدراك عقلي بتكوين صورة نمطية عن العدوان في ذاكرة المواطن الفلسطيني لا تنسى بسهولة، تدفعه دائما لتفكير في كيفية الثأر من العدوان.

وقد لعب الكاريكاتير دورا هاما في أشكال الصراع الفلسطيني الإسرائيلي منذ النكبة إلى الآن، لما له من مقدرة على مخاطبة العقل الإنساني والتأثير فيه، وخاصة الفئات الاجتماعية على مختلف توجهاتها الثقافية، كما استطاع رصد جرائم الاحتلال الإسرائيلي على مدار العقود الستة الماضية، من قتل وتشريد وتنكيل وتدمير وتجريف وتهويد وبناء جدار عنصري فاصل، والتي دفع بعض الفنانين الفلسطينيين حياتهم ثمناً لها أمثال: ناجي العلي. وقد أبدع الكثير من فنانين الكاريكاتير الفلسطيني أمثال: جلال الرفاعي، وبهاء البخاري، وخليل عرفة، أمية جحا، في عرض الواقع الفلسطيني بكل مجراته بشكل مؤثر؛ لذا أيقنت الصحافة الفلسطينية أهمية هذا الفن وأعطته مساحة خاصة وبالذات فن الكاريكاتير السياسي والاجتماعي، من منطلق أنه أداة هامة لرسم الواقع اليومي والمعاناة الفلسطينية جراء جرائم الاحتلال اليومية بحقه.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد